يعد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية أحد أهم النظم الإصلاحية في المملكة، التي تنظم العلاقة بين إدارة الجهة الحكومية وشركات ومؤسسات القطاع الخاص في طرح الأعمال وتنفيذ المشاريع والمشتريات.

ولا يخلو أي نظام في العالم من السلبيات والثغرات، فالأنظمة بوجه عام قابلة للتعديل والإضافة والتحديث، وعلى هذا الأساس وافق مجلس الشورى مؤخرا على دراسة مقترح تعديل (16) مادة من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية.

وهذا المقترح يعالج ثغرات نظامية وفنية، خاصة فيما يتعلق بترسية المشاريع على المقاول الأقل سعرا، التي يعدها البعض من أكبر الثغرات في النظام، إضافة إلى مواضيع أخرى تتعلق بالمقاولين من الباطن وإعداد المواصفات الفنية وتحليل الأسعار وغيرها.

وبالرغم من أهمية المقترحات السابقة وملامستها لواقع تطبيق نظام المنافسات في الجهات الحكومية، والمشاكل التي تواجهها، إلا أنها في رأيي ركزت على الإصلاحات الجزئية للمشكلات، مع إهمال الجوانب السلوكية والتنظيمية والرقابية في الإدارة الحكومية.

فحتى لو تم تطبيق المقترحات، وتم تعديل مواد النظام على أرض الواقع، فكعادة البيروقراطية سوف تحرص على تطبيق الشكليات لنصوص المواد دون إحداث تغييرات تذكر، ويبقى الوضع على ما هو عليه، لذا سوف أتعرض لبعض هذه الأوجه، وذلك على النحو التالي:

أولا: صحيح أن هناك تعارضا موجودا بين النظام ولائحته التنفيذية حول مسألة الترسية على أقل الأسعار، واختيار أفضل العروض، فقد نصت المادة (9) من النظام على أنه "يجب أن يتم الشراء وتنفيذ الأعمال والمشاريع بأسعار عادلة لا تزيد عن الأسعار السائدة.."، كما تنص المادة (16) على أن "تتولى هذه اللجنة تقديم توصياتها في الترسية على أفضل العروض"، وعليه فإن الجهة الحكومية تكون أمام أفضل العروض التي لا تزيد عن السعر السائد، بينما اللائحة تنص على الترسية على أقل الأسعار في المادة التاسعة والعشرين، التي تنص على "توصي لجنة فحص العروض بالترسية على أقل العروض سعرا.."، والسؤال المطروح هنا: ما السعر السائد في السوق وكيف يتم تحديده؟

لقد حددت المادة السابقة أسلوب المنافسة للوصول إلى ذلك، ولكن النظام وحتى اللائحة لم تحدد الآلية التفصيلية اللازمة، فعلى سبيل المثال ما الاعتبارات التي تحدد السعر العادل؟ وما مصادر الحصول على المعلومات السعرية؟ وما العوامل التي تؤثر في قرارات الشراء غير الأسعار؟

العديد من الجهات الحكومية ليس لديها خبرات في مجال معرفة الأسعار السائدة والعادلة، ولا تستطيع تقدير تكاليف المشتريات والمشروعات، وقد يقول قائل: "إنه بالإمكان الاستعانة بمكاتب استشارية متخصصة تقوم بإعداد المواصفات ووضع الأسعار التقديرية للبنود والكميات"، وهذا ما يحدث بالفعل في بعض الجهات، ولكن للأسف يتم تحليل العطاءات المقدمة في المشاريع سواء من قبل اللجان الفنية أو المكاتب الاستشارية، بشكل إجمالي، ولا يتم التطرق إلى تفاصيل الأسعار لبنود العقد، مما يشكل ضعفا في عملية التحليل المالي، وعدم القدرة على الحكم على مدى عدالة الأسعار، ويؤدي إلى وجود عروض غير متوازنة، يعمد إليها بعض المقاولين للحصول على تمويل ذاتي للمشروع بزيادة أسعار الأعمال التي تنفذ في بداية المشروع، وخفضها للأعمال التي تنفذ أو تورد في نهاية المشروع، وهذا ما ينطبق أيضا على التحليل الفني للمشاريع.

وبالتالي فإن المقترحات التي تتعلق بفصل العروض المقدمة، وتحليها فنيا في البداية، واستبعاد العروض غير المطابقة، ومن ثم القيام بالتحليل المالي، لن تجدي نفعا في ظل الممارسات السابقة.

ثانيا: تضمنت المقترحات تعديل مواد تتعلق بمقاولي الباطن، وهذا الموضوع بالذات يعد من أهم المشاكل الرئيسة في تطبيق نظام المنافسات، إذ يتأثر المشروع محل التعاقد بخلل فني ومالي؛ نتيجة الخلل في العلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن، والمقترح في رأيي مناسب، ولكن ماذا لو علمنا أن بعض الجهات الحكومية تستلم أعمالا بها عيوب هندسية وفنية، وتقوم بالتوقيع على أنها تطابق المواصفات وذات جودة عالية، وهناك أيضا من يجبر الاستشاري على الاستلام؟

ثالثا: تناولت المقترحات مسألة إعداد المواصفات والتصاميم، واختيار المكاتب الاستشارية المؤهلة والمتميزة، ولكن ماذا عن تدخل الجهات الحكومية في تغيير التصاميم والمواصفات والكميات عند التنفيذ؟

رابعا: إن المقترحات السابقة في مجملها سوف تكون من مهام لجنتي فتح المظاريف وفحص العروض، وذلك لضمان الحياد والنزاهة واختيار أفضل العروض، وأستطيع القول إن أي مقترح أو تعديل أو تحديث إلا وسوف يكون من ضمن مهام هاتين اللجنتين، فدورهما رقابي وإشرافي على تطبيق مواد النظام ولائحته التنفيذية، وقرار الترسية في أغلب الأحيان لا يتم إلا عن طريق هاتين اللجنتين، ولكن للأسف لم تلقيا الاهتمام الكافي في الدراسات والأبحاث، بالرغم من أن الواقع والتجارب يثبتان أن أسباب التلاعب والغش تمر من خلال هاتين اللجنتين، وعدم القيام بدورهما ومهامهما، فضلا عن وجود العيوب القانونية عند تشكيلهما.

ومما سبق، يتضح أنه بالرغم من الجهود التي بذلت في تقليص تأثير سلبيات وثغرات نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية؛ إلا أنها لا تعالج إلا الجزء اليسير من المشكلة ، لذلك فسيكون اهتمام الجهات الحكومية بشكليات النظام، كونها مطلوبة بموجب النظام دون الالتفات إلى النتائج، وبالتالي الالتفاف حول النظام دون تحديد المسؤولية وضعف الرقابة عليها مهما تم إجراء أية تعديلات عليه.

هناك من يقول إن أكثر من 100 مليار ريال قيمة المشاريع المتعثرة في قطاع المقاولات، مما أدى إلى وجود بنية تحتية ضعيفة ومتدنية، ووجود مرافق عامة بمستوى متدن أيضا، إضافة إلى استمرار هدر المال العام، ونحن قد تلمسنا في الحقيقة حلولا جيدة من مجلس الشورى، لكنها تحتاج إلى وجود نظام رقابي فعال لتطبيقها على أرض الواقع.