لدى زيارته الأخيرة لأميركا، سأل موظف الجوازات في مطار نيويورك الدولي المواطن العربي الزائر عن مهنته، فأجابه بصوت خافت: "باحث ومفكر"! فاستفسر الموظف عن المقصود بهذه المهنة، فكرر الزائر العربي إجابته متهكماً: "باحث عن عمل ومفكر في الهجرة"!
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يشهد تاريخنا المعاصر أسوأ من حالة الفوضى الخلاقة التي تمر بها 75% من الشعوب العربية، الذين فقدوا الأمل بالحصول على الوظيفة المناسبة في أوطانهم، لتبدأ هجرتهم غير الشرعية بقوارب الموت بحثاً عن العمل في دول الرفاهية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والفرص الوظيفية.
خلال العام الماضي فقط حاول 188 ألف مواطن عربي الهروب من أوطانهم عن طريق البحر، لينجح 65 ألفاً منهم ويغرق 17 ألفاً بينما عاد الباقي من حيث هرب بخفي حنين. وفي العقد الماضي فقط تلقت القنصليات الأوروبية في الخارج 3 ملايين طلب تأشيرة هجرة من الشعوب العربية، وافقت فرنسا على مليون منها وبريطانيا على نصف مليون والباقي توزع على دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
تحديات البحث عن العمل، التي تواجه معظم الدول العربية، جاءت نتيجة حتمية لتدهور مستوى التعليم وتراجع قيمة المعلم لديها. إحصائيات البنك الدولي الأخيرة تشير إلى أن 44% من خريجي الجامعات في دول الربيع العربي عاطلون عن العمل، مما يؤكد على ضعف استراتيجيات التعليم وابتعادها عن التخصصات والمهارات والخبرات التي يتطلبها سوق العمل. كما تسود ظاهرة الاعتقاد بين فئات الشعوب العربية بأن حزمة الرواتب والتعويضات في القطاع الحكومي أفضل بكثير من مثيلاتها في القطاع الخاص، حيث إنها تفوق بنسبة 43% في مصر و36% في تونس و24% في المغرب و17% في كل من العراق وليبيا والجزائر.
هذه التحديات العربية لا تختلف كثيراً عن التحديات التي واجهت كوريا الجنوبية بعد انتهاء حربها المدمرة مع جارتها الشمالية في عام 1953. فعلى الرغم من الدمار والتشتت والمعاناة وضعف الموارد وغياب الثروات، نجحت كوريا الجنوبية في التغلب على هذه التحديات، ليرتفع عدد جامعاتها إلى 300 جامعة ويزداد عدد طلابها إلى 13 مليون طالب، منهم 35% يتلقون الخبرات والمهارات في المعاهد الفنية والكليات المهنية، مما أدى لالتحاق 90% من الخريجين بسوق العمل فور تخرجهم.
خلال 5 عقود فقط انتقلت كوريا الجنوبية من قائمة دول العالم الفقيرة في عام 1960 إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى في عام 2014، فتضاعف ناتجها المحلي الإجمالي 4 مرات، واحتلت المرتبة 7 بين أكثر دول العالم تقدماً والمركز الأول في صناعة المعدات وبناء السفن وخدمات الاتصالات وتقنية المعلومات والمرتبة الخامسة في الصادرات.
المعجزة الكورية تحققت نتيجة تنفيذ استراتيجية طموحة للتعليم، فاعتمدت على ميزانية سنوية بمتوسط 34 مليار دولار أميركي، تم تجميعها من خلال 4 مصادر للتمويل، وتحملت الحكومة الكورية نسبة 35% فقط من الميزانية، بينما جاءت النسبة المتبقية 65% من تحصيل الضرائب العامة وتبرعات المؤسسات الصناعية والقطاع الخاص.
الاستراتيجية الكورية للتعليم ركزت على طلاب المرحلة الابتدائية ليكون أساس التعليم قوياً منذ البداية، فحددت لهم 12 مادة أساسية فقط لتدريسهم، تشمل اللغة الكورية والرياضيات والتربية الرياضية والدراسات الاجتماعية والعلوم والموسيقى والفنون الجميلة والمهن الحِرَفية. كما اختارت لإدارة المدرسة مديراً مسؤولاً أمضى 25 عاماً على الأقل في مهنة التعليم، واختارت كافة المدرسين من بين أفضل 5% من الخريجين المتفوقين في تخصصاتهم لتدريس طلبة هذه المرحلة.
وفي المرحلة الإعدادية ركزت الاستراتيجية على تعليم الطلبة في المدارس التخصصية، فحددت لهم 13 مادة أساسية فقط، تشمل التاريخ الكوري والمواد الاجتماعية والرياضيات والعلوم والتربية الرياضية والموسيقى والفنون الجميلة واللغتين الصينية والإنجليزية، بالإضافة للمواد ذات التأثير الفعال في بناء الشخصية وتنمية القدرات وامتلاك الطلاب للمعلومات والمهارات والمعارف.
في المرحلة الثانوية، يتوزع الطلبة على 4 أنواع من المدارس: أكاديمية عامة، ومهنية فنية، وتخصصية تقنية، وشاملة مكثفة. ويلتحق بالنوع الأكاديمي العام 65% من الطلاب، بينما يلتحق 35% منهم بالتعليم الثانوي المهني والتخصصي على أساس القرعة حسب مستوى الطالب ومهاراته الفنية، ليلتحق الخريج مباشرة بسوق العمل. وهذا ما يتحقق عادة لنحو 90% من طلاب هذه المرحلة ليلتحق الباقي بالكليات التقنية والجامعات.
الاستراتيجية الكورية نجحت وحققت أهدافها لاعتمادها على مرحلة التعليم الثانوي المهني، الذي يمد سوق الإنتاج والعمل بالقوى العاملة المدربة، فأصبحت عصب الحياة الاقتصادية وأسهمت في إنشاء 581 معهداً للتدريب المهني و250 كلية مهنية في التخصصات الهندسية والزراعية والبحرية والتقنية والاتصالات والصحية والتمريض والفنون والرياضة والخدمات الاجتماعية. وبعد تحقيقها لنسبة 96% في التعليم، لتتفوق بذلك على كافة الدول المتقدمة والنامية، أعادت كوريا الجنوبية تسمية "وزارة التربية" إلى "وزارة تنمية الموارد البشرية"، وتم منح وزيرها منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، مما عكس الاهتمام المؤثر بهذا القطاع الحيوي. كما أولت الحكومة الكورية اهتماماً بالغاً بالمعلم، وأسندت له دوراً بارزاً في المجتمع وعدته الوسيلة الفاعلة في تطوير المجتمع والنهوض به، وأغدقت عليه المراتب والرواتب والمزايا لتضعه في مصاف الطبقة الكورية العليا. ومنذ ذلك الوقت أصبحت منزلة المعلم في كوريا الجنوبية لا تقل شأناً عن منزلة الوالدين، مما أضفى عليه هيبة اجتماعية مميزة، ترددها الأجيال وتحترمها المجتمعات ويكرسها المثل الشعبي الكوري الشهير "لا تقف على ظل المعلم".