لا يمكن أن ندرك ونفهم طبيعة التغيرات المناخية التي تعصف بكوكبنا الأزرق في عصرنا هذا إذا لم يكن لدينا مرجعية واضحة عن تاريخ وطبيعة ونوعية التغيرات المناخية التي مرت بها الكرة الأرضية في مختلف العصور الحديثة والقديمة والسحيقة. العلم الحديث أوضح لنا بما لا يدع مجالا للشك أن جميع هذه التغيرات المناخية باختلاف أزمان حدوثها حدثت وتحدث على سطح الكرة الأرضية وفق دورات زمنية محددة، ترتبط هذه الدورات ارتباطا وثيقا باختلاف شدة وكمية الحرارة الشمسية الساقطة على سطح الأرض، والتي ترتبط بدورها، أي شدة الحرارة الساقطة من الشمس على سطح الأرض بظاهرتين كونيتين، الظاهرة الأولى هي تغير موقع الأرض بالنسبة للشمس، أما الظاهرة الثانية فهي الانفجارات الشمسية، أو ما يعرف بالبقع الشمسية التي تبعث بدورها أمواجا من الحرارة تتسبب في رفع درجة حرارة الغلاف الجوي، وقد تحدثت عن ذلك في مواقع أخرى بالتفصيل.
ومن أهم هذه الدورات ما اكتشفه عالم المناخ والمهندس الصربي
Milutin Malinkovitch التي أطلق عليها فيما بعد اسم دورات ميلانكو فتش تكريما لذكراه، وكان ذلك إذا لم تخن الذاكرة في عام 1904، وكما وعدت في المقال السابق سأوضح طبيعة هذه الدورات والتغيرات المناخية التي تتمخض عنها، على أن أترك مناقشة التغيرات المناخية القديمة والحديثة نسبيا إلى المقال القادم.
قسم ميلانكوفتش هذه الدورات إلى ثلاث دورات، الدورة الأولى تحدث كل مئة ألف عام، أما الدورة الثانية فتحدث كل أربعين ألف عام، أما الدورة الثالثة فتحدث كل ستة وعشرين ألف عام.
الدورة الأولى: وتحدث كل مئة ألف عام وتعرف باسم Eccentricity وهو توضيح وشرح لإهليجية الفلك الذي تدور الأرض فيه حول الشمس الذي يتراوح ما بين الشكل الدائري إلى الشكل الإهليجي ( البيضاوي)، فالفترة التي يتغير فيها شكل فلك الأرض من الشكل الإهليجي إلى الشكل الدائري والعودة مرة أخرى إلى الشكل الإهليجي تستغرق مئة ألف عام.
عندما يكون الفلك في شكله الدائري تكون الأرض أقرب ما تكون إلى الشمس، عندها ترتفع درجة حرارة الغلاف الجوي إلى درجات حرارة قياسية، وبالطبع لا يمكن معرفة درجة الحرارة بالتحديد في ذلك الوقت، ولكن استطاع العلماء عن طريق النظائر المشعة تحديد الفترات الزمنية التي حدثت فيها هذه التغيرات المناخية، قيم الشكل الإهليجي بناء على معادلات ميلانكوفتش تتراوح ما بين العدد 1 عندما يكون شكل الفلك دائريا والعدد صفرا عندما يكون فلك الأرض في أكثر صور أهليجيته، ولكن مما يجدر ذكره أن قيم أهليجية الفلك لم تصل إلى قيمة العدد واحد، بمعنى أن شكل الفلك الذي تدور فيه الأرض حول الشمس لم يكن دائريا في يوما من الأيام على أن أقصى قيمة وصلت إليها أهليجيته هي 0.0607 وهي أقرب ما يكون إلى الشكل الدائري. ومما يجدر ذكره أيضا أن قيمة أهليجية فلك الأرض في عصرنا هي 0.017 أي إنه فلك أقرب ما يكون إلى الشكل الدائري، لذا تتمتع الأرض في هذا العصر الذي نعيشه بدرجة كبيرة من الدفء النسبي. ومما يجدر ذكره أيضا أن أهليجية الفلك لم تصل يوما إلى قيمة الصفر ولكن أقل قيمة وصلت إليها إهليجية الفلك هي 0.0005، وهذه القيمة أقرب إلى قيمة الصفر، عند هذه القيمة تصبح الأرض أبعد ما تكون عن الشمس، الأمر الذي يتسبب في انخفاض درجة حرارتها إلى درجات قياسية تؤدي إلى حدوث ما يعرف بالعصر الجليدي الكبير.
الدورة الثانية: تعرف باسم Obliquity، أي درجة ميل زاوية محور الأرض على مستوى الفلك الذي تدور فيه الأرض حول الشمس، و يتراوح الاختلاف في درجة ميل الزاوية من 22.1 درجة في أصغرها إلى 24.5 درجة في أقصاها. رحلة محور الأرض بين أقل درجة ميل إلى أقصى درجة ميل و العودة مرة أخرى إلى الحالة الأولى تستغرق حوالي 40 ألف سنة. ميل محور الأرض في الوقت الراهن هو 23.5 درجة، ولكن ماذا يعني ذلك بالنسبة للتغير المناخي وتكوين العصور الجليدية على كوكب الأرض؟ من المعروف أنه في فصل الشتاء، خاصة في شهري ديسمبر ويناير، المحور الذي تدور حوله الأرض يميل بعيدا عن الشمس، أي إن كمية الحرارة التي تسقط على النصف الشمالي للكرة الأرض أقل من تلك التي تسقط على النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. أما في شهر يونيو فمحور الأرض يميل تجاه الشمس فتكون كمية الحرارة الساقطة من الشمس على النصف الشمالي للكرة الأرضية أكبر من تلك الساقطة على نصف الكرة الجنوبي، وبذلك يكون فصل الصيف في النصف الشمالي بينما يكون فصل الشتاء في النصف الجنوبي. ومما يجدر ذكره أنه عندما تكون درجة الميل تساوي صفرا لا يكون هناك تعاقب للفصول على سطح الأرض، فكمية الحرارة الساقطة على كوكب الأرض تكون متساوية على النصف الشمالي والنصف الجنوبي. ومما يجدر ذكره أيضا أن المسافة بين الأرض والشمس ليس لها أي تأثير في تحديد فصول العام، بل الفصل في ذلك يعود إلى درجة ميل محور الأرض على مستوى الفلك الذي تدور فيه الأرض حول الشمس، ومن هذا نستنتج الآتي: أن فصول العام قد تختفي تقريبا في فترات محددة من تاريخ الأرض عندما تكون زاوية ميل محور الأرض على مستوى الفلك الذي تدور فيه حول الشمس تساوي صفرا. ثانيا أن فصول العام قد تنقلب رأسا على عقب، بمعنى أن مواقيت الفصول قد تختلف، فيكون الشتاء في نصف الكرة الشمالي في أشهر الصيف ( يونيو يوليو وأغسطس..) والعكس صحيح، وهذا بالطبع سيؤثر تأثرا كبيرا على المناخ بصورة دراماتيكية على كوكب الأرض... وللحديث بقية.