لم يكن صعبا على المواطنين أن يتأقلموا مع مشهد قائم منذ عدة عقود، ولم يتغير رغم تغير المكان من حيث السعة والجمال، واختفاء الدفتر وحضور الكمبيوتر.
اعتاد المواطن أن يلحظ في صالة المراجعين للعديد من الإدارات الحكومية وجود ست أو سبع أو ثمان نوافذ خاصة بإنهاء إجراءات هؤلاء المراجعين لكن نادرا ما تكون كل هذه النوافذ مفتوحة، فالطبيعي هو أن تكون الأكثرية مغلقة والأقلية هي المفتوحة، عدا أن المفتوح منها لا بد أن تصيبه عدوى من المغلقة بين فترة وأخرى، فالموظف بحاجة إلى وقت للخروج من المكان الذي هو فيه للفطور، ثم في فترة ثانية للتدخين، ثم في فترة ثالثة للصلاة، وطبعا فترة الصلاة يقضى البعض فيها ساعة كاملة، فضلا عن أن كل المراجعين يمكنهم أن يراهنوا وهم على ثقة من أنهم سيكسبون الرهان من أنه في فترة الدوام الصباحية من المستحيل أن يجدوا نافذة واحدة تفتح لاستقبال المراجعين في الوقت المحدد لبداية الدوام الرسمي للإدارات الحكومية!
ثقافة العمل في القطاع الحكومي أمرها غريب، فهي ثقافة قائمة على اللامبالاة والاستهتار، وعدم احترام الوقت، وعدم احترام الناس، وهي في ذات الوقت ثقافة تستند على تاريخ طويل له جذور عميقة تشجع على التراخي، وعدم الإخلاص في العمل لغياب الرقابة والعقوبة، وتساوي من يعمل مع من لا يعمل، بل أحيانا من لا يعمل قد تتوافر له استثناءات ومزايا لا يحلم بها من يعمل نظرا لوجود المحسوبية واعتبارات أخرى ليست لها علاقة مطلقا بالكفاءة أو الإنتاج.
هذه الثقافة التي ترسخت في ذهن الأكثرية من موظفي الحكومة، وترسخ مفهومها عن موظفي الدولة لدى الكثير من المواطنين المراجعين للإدارات الحكومية تعد واحدة من كبرى المشاكل التي عجزت كل الجهات الحكومية ذات الصلة عن حلها وتغييرها رغم قدمها وقدم الشكوى منها.
بقاء هذه المشكلة غير الهينة وغير العابرة دون حل رغم اعتراف الكل بوجودها ورغم معرفة الكل بأسبابها، يجعل الكثيرين وأنا واحد منهم عاجزين عن فهم عدم وجود أي توجه معلن لحلها، عبر تغيير الأنظمة والعوامل التي تقف وراء بقائها واستمرارها.
ثقافة الخمول والكسل وعدم الإخلاص في العمل، وعدم تقدير عامل الوقت، واحترام المراجعين وتفهم مطالبهم والعمل على خدمتهم لا يمكن لصقها بشكل مباشر وبسيط بالمواطن، لأن المواطن ذاته الذي يعمل في القطاع الخاص لديه ثقافة عمل مختلفة ومعاكسة تماما لما هو عليه حال الموظف الحكومي، بل نفس الموظف الحكومي الذي كان بالأمس كسولا ولا يبالي بالمراجعين ووقتهم ومطالبهم فور انتقاله إلى العمل في القطاع الخاص يتبدل حاله رأسا على عقب، ويصبح موظفا مثاليا في الدوام والانضباط والإنتاج، لأن المحاسبة موجودة وليست بحاجة إلى تعقيدات ومعاملات وخطابات وأنظمة في الغالب تمنع فصله من العمل كما هو الحال في القطاع الحكومي، وفي ذات الوقت هناك حوافز وامتيازات تساعده على بذل قصارى جهده في العمل لنيل تلك المزايا ولتعديل وضعه الوظيفي نحو الأحسن بشكل دائم.
المشكلة ليست في المواطن بل في النظام، والنظام يحتاج إلى صاحب قرار ليغيره لمصلحة الوطن.