في المجال الأكاديمي نجد أن كل فكر أو نظرية أو رؤية يمكن أن تخضع للبحث والدراسة، للنقد والنقاش، على أساس علمي موضوعي دون أي تعصب أو تحيز، قد يكون ذلك من خلال تطبيق الإجراءات العلمية من تجارب وتطبيق وتحليل ومقارنة واستنتاج والخروج بدراسة تحليلية موثقة، وقد يكون من خلال تأليف كتاب تقابل فيه الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وقد يكون من خلال نقاش أو حوار أو مناظرة، وفي كل الحالات يجب ألا نحيد عن الموضوعية والمعالجة برؤية حضارية واعية على قاعدة من أخلاقيات التعامل والاحترام المتبادل، وحَيْد الأكاديمي عن هذا المسار يشكل خطورة للعلم وللأمانة العلمية!

الخطورة هنا ليست فقط حينما نرفض الرأي الآخر القادم من الغرب، بناء على تعصب أو انحياز مسبق، بل أيضا حينما يكون هذا التعصب والتحيز تجاه مفكرين من أمتنا العربية، وبدلا من البحث عما نجده من معلومات مفيدة تسهم في مسيرة العلم والمعرفة، أو على الأقل البحث عن القواسم المشتركة التي يمكن أن يبنى عليها الحوار النقدي ومن ثم ينطلق، نرفض حتى مجرد الاعتراف بها، ونسارع في الاندفاع لتبرير لماذا هذا الفكر هو خاطئ، دون القيام أصلا بإثبات أنه خاطئ! بمعنى آخر يفترض الأكاديمي أنها ليست صحيحة أو يقيدها داخل إطار مصطلحات أقل ما يمكن أن يقال عن مرجعيتها أنها عامية أو شعبوية، وعليه يحكم بأنها خاطئة ولا تستحق الدراسة أصلا، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على نقص في قدرته على التفسير المنطقي وانحيازه وتكاسله أو عجزه عن الانخراط في النقاش أو الخطاب الفكري؛ لأن اللجوء إلى "مصطلحات" غير علمية كبديل عن استخدام أدوات التفكير الناقد ليس سوى تهرب من المواجهة، فتجاهل أننا أبناء أمة واحدة بلغة وتاريخ وحتى مصير مشترك واحد، ويقصي.. ويرفض حتى الإصغاء أو القراءة لما لديهم... حتى فكرة النقاش في الموضوع يرفضها! يقول أرسطو: من النقاش يخرج النور، وأمثالهم يظنون أن النور من عندهم وكل ما لدى الغير ظلام طالما أنهم لا ينتمون إلى طائفتهم، أو مذهبهم، أو مدارسهم الفكرية!

أحقا نخاف من الاختراق؟! كيف نخاف من الاختراق ونحن من يمزق ويخترق بتبني مصطلحات أقل ما يمكن أن يقال عنها "شعبوية" سُبكت وبثت بإصرار وتكرار حتى زرعت في الوجدان العربي المعاصر، وعلى أيدي جهابذة وآليات الإعلام، من أجل التسطيح و"كي الوعي" العربي! نخلق عيوبنا بأيدينا.. نخلق الثغرات في أثوابنا.. ثم نشتكي من الاختراق! حقا لن أجد تعبيرا أدق يصف حالنا مما قاله نزار قباني يوما: لولا عيوبنا ما استطاع أحد أن يتسرب إلينا أو يخترقنا!

إن الأكاديمي الذي ينتقد دون أن يقرأ هو إنسان مخادع، فالمسألة ليست مجرد قراءة فحسب، المسألة هي ماذا تقرأ وكيف تقرأ وكيف تفهم وكيف تحلل وماذا تستنتج؟ والأهم ما الذي تقرر أن تعرضه وما الذي تخفيه أو تعتم عليه لاعتبارات ومعتقدات وآراء شخصية مسبقة؟... ولهذا أرى أن الأكاديمي أخطر على مجتمعه وأمته من مجرد المثقف العادي؛ لأنه يمتلك أدوات البحث والدراسة والتحليل العلمي الموضوعي، التي تمكنه، إن أراد استخدامها، من التمييز بين الأفكار وفهمها، بعيدا عن أي مصالح شخصية أو تعصب أو انحياز، إنه بوابة المجتمع العلمية المرتكزة على الدراسة والمنطق والعلم، وحين يتحيز ويرفض التواصل مع ما يُقدم من فكر الآخر، تسقط عنه صفة الأكاديمية ويصبح مخادعا، وبذلك يهبط لمستوى مجموعات التعصب والتحييز من العامة! فالأكاديمية ليست شهادة للتعليق على الجدران أو للتباهي، الأكاديمية ليست فرض رأي وتعاليا.. الأكاديمية هي التزام بالموضوعية والرقي والتواضع، الأكاديمية هي عدم تبني أفكار على حساب العدل والمنطق والدليل، بمعنى آخر عدم تبني وتقبل مفردات ومعلومات التسطيح الفكري للمجتمع، وكل ما يسهم في إثارة التفرقة والتنابذ، الأكاديمية هي التحرر من كل فكر عنصري متحيز، وألا ينجرف خلف المجاميع، ويصبح كما قال الشاعر دريد بن الصمة: وما أنا إلا من غزية، إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد.

وللأسف ما نراه اليوم، أن بيننا من يقفز إلى الرفض أو الإقصاء ليس بناء على قراءة وتحليل بل لاعتقاد مسبق بأن صاحب الفكر أو المعرفة أصلا شخصية منحازة؛ نظرا لانتمائه الطائفي أو المذهبي أو لجنسه أو عرقه، الذي بدوره يبين لنا وبكل وضوح انحياز وتقيد فكره الشخصي... أي أنه بتصرفه هذا يعكس ما يحاول أن يسقطه على الغير! لأن تقبل العلم أو رفضه، بعد دراسته وتحليله، بغض النظر عن مصدره، هو ما يميز الأكاديمي عن غيره، كما يتميز بالشجاعة في عرض ما توصل إليه من حقائق، والقدرة على مواجهة الفكر الجمعي بأدوات علمية، وعدم الوقوع في فخ مصطلحات "كي الوعي"، مما يجعله يرفض العلم قبل أن يقرأ ويبحث ويحلل.

خلاصة القول، إن انحراف الأكاديمي عن مسار الحياد والموضوعية في التعامل مع الفكر والمعرفة، بغض النظر عن مصدرها، ليس فقط خيانة للأمانة العلمية بل أيضا خيانة للعلم والثقافة؛ لأنه يسهم بكل عنجهية وتعال، وانتهازية لموقعه ومكانته الاجتماعية، في التضليل والتعتيم!.