لفت انتباهي كتابة أحد المدونين على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ودفاعه المستميت عن رؤيته للآخر ثقافياً - من جهته طبعاً -، حتى إنه لم يهمل وجهة نظر البقية – في رأيه الجمعي - والذي صنف نفسه منهم كما أشعرني..! وهو أمر محمود جداً ليتمكن الفرد من رؤية وقراءة المشهد من أوسع زاوية ممكنة.
إذ قال المدون "بندر خليل" في صفحته الشخصية: "قرأت لأحدهم قبل قليل ما يشير إلى وجود فجوة بين المثقفين وعوام الناس من بقية أفراد المجتمع ويا ليته يعلم أن الفجوة موجودة فقط في رؤوسهم هو ومن يرون أنفسهم شريحة عليا في مجتمعهم، ثم يتناصحون فيما بينهم أنه يجب النزول إلى هؤلاء البسطاء، بينما الحقيقة تقول إنه يجب عليه هو والنخبة التي يتحدث نيابة عنها، أن يرتقوا إلى منزلة البسطاء والعوام الذين تجاوزوهم في الوعي بمراحل يصعب عليهم استيعابها. عليهم أن يترفعوا عن الجهل والبلاهة والأنا وجنون العظمة، عليهم أن يفهموا جيدا أنهم في حقبة انحطاط غير مسبوقة. وأنه من البجاحة الحديث عن وجود فجوة بين المجتمع ومجموعة خبلان لا دور لهم في الحياة سوى البهرجة والتعالم، وكلما وجدوا فرصة للصلاح قالوا دعوتهم البائسة: يجب أن ننزل إلى الناس يا جماعة. مع أن الناس لم ينتبهوا إلى وجودهم حتى الآن؟!!"
هذا الطرح في واقعه هو محاولة طبيعية مستميتة للدفاع عن مكتسب فردي ربما، وبقاء "الحال المايل" مستمراً على نفس حالته وبنفس الوتيرة التي عرف عليها والشكل الذي يوصف به تكوين النسق، ولن يكون جديداً أن تظهر ردة الفعل على هيئتها الحالية، إذ إنها لو لم تكن كذلك فإنه لن يكون علينا بالتالي تكوين وجهة نظر مقابلة، تفكر إيجابياً لا تصادمياً على الأقل كما تفعل الأنساق حين تتشكل في حركتها على الدوام، وأتصور أنه لا فكاك في النهاية من الوصول إلى نقاط اتصال بين المثقف وبين الشارع، ذلك الذي يشعر بعزلته في كثير من الأحيان، لتكون ردة فعله الانفعالية قياساً على المسافة الفارقة بينه وبين النخبة المثقفة، وتأتي في الغالب على هيئة تصادمية، تعبر عن وجودها على طريقتها، وهو نوع من التعبير عن الأنا الأنانية أكثر من تعبيره عن الهم الجماعي، فيما يفترض أنها حالة منطلقة من وعي شبه جمعي، لتكون النواتج إيجابية وذات مصالح مشتركة حقيقية فاعلة، ولقد قالت الشوارع العربية على اختلافها ما فيه الكثير عن أحلامها، لكن ما آلت إليه نتائج ثورات ربيعها الأخير، قال الكثير أيضاً عن حالة وعيها وقدراتها، والاندفاعات التي وقعت فيها دليل كبير على حاجتها إلى التنوير، وهذا مثال واضح على عمق الفجوة بين المثقف العربي والشارع الذي هو أحد نتائجه بالتأكيد.
وفي هذا أعجبني ما كتبته الزميلة "لمياء السويلم" في مقالها بالشرق الأوسط قبل عام تقريباً؛ "لقد بالغ المثقفون العرب في الانفعال مع الشوارع في ثوراتها، كأنما كانوا جزءا هشا من الشارع لا سببا من أسباب حركته، لقد فقدوا بوصلتهم الثقافية في حالة نفسية واضحة للبحث عن الذات، أصبح المثقفون العرب في حالة تسول أمام السياسي والشعبي على حد واحد، تسول البقاء والاعتراف بالوجود، لقد كشفت الثورات العربية عن أزمة وجودية عن المثقفين، إنهم يبحثون عن الاعتراف بأنفسهم من الآخرين بدلا من فرض ثقافتهم هم على المكان والزمان وتجاوز الضائع فيه، لقد تاه المثقف مع الشارع كأنه جزء منه، كأنه لم يخرج يوما عنه".
وهذا يؤكد على الخلل الموجود بين الطرفين، أو لنقل في شكل ومضمون رؤية البعض للعمل التنويري ومقدراته، وينقلنا إلى مربع أكثر أهمية يتمثل في إعادة قراءة الشكل والمضمون الذي تبدو عليه الشوارع العربية بكليتها.