على الرغم من إجادة الكلام المنمق، وإتقان العبارات الفخمة، والتركيز على زخرفة الجمل عند الحديث عن شباب الوطن، حيث إنهم الثروة الحقيقية التي يجب الحفاظ عليها عبر تذليل الصعوبات وتليين المعوقات وتقديم التسهيلات، لضمان تحقيق أحلامهم التي من شأنها الدفع بعجلة الإنتاج وتنمية الاقتصاد. والكثير من الكلام الذي يمتاز بقدرة عجيبة على الانبساط والانكماش تجعله يتطابق والمثل القائل "تسمع بالمعيدي خيرا من أن تراه".
ومؤسسات دعم المشاريع إحدى تلك المؤسسات الرائدة في هذا الفن، فن تزويق العبارات وتفخيم الجمل، للدرجة التي تجعل الشاب ما إن يقرأ ما كتبوه هم عن أنفسهم وعن سياساتهم المتبعة في تقديم الدعم المادي والاستشاري والتسويقي، حتى تتملكه الرغبة في أن يحلم – لا إرادياً - بمشروعه الخاص، الذي راوده بسبب جمالية ما وجد من فخامة في العبارات، فيحلم حينها مُعتقِداً أن كل المطلوب منه هو أن يحلم فقط وستتكفل مؤسسات دعم المشاريع بتحويل حلمه إلى واقع ملموس كما هو مكتوب على الورق.
ثم يبدأ الحالِم المسكين بطلب الدعم، وكخطوة أولية سيُخاطِب أكثر من جهة معنية بهذا الشأن، حينها وفي هذه المرحلة المبكرة جداً سيكتشف أن الحقيقة تختلف جذرياً عما احتواه الورق، سيتضح له أن آلية عمل هذه المؤسسات هي النسخة الكربونية عمّا هو موجود على الورق، سيُفاجأ أولاً بتجاهل طلبه لفترة معينة قد تمتد إلى شهر شهرين وأحياناً سنة، بعدها سيأتيه اتصال مفاجئ من إحدى المؤسسات، اتصال يبدأ باعتذار عن التأخر في الرد، يعقب هذا الاعتذار إبداء الإعجاب الشديد تجاه المشروع، وبعد الاعتذار والإعجاب ستطالبه المؤسسة بتوضيح الفكرة محل الإعجاب! والحالِم سيُسهِب – شفهياً - في توضيح فكرته وشرحها وسيُحاوِل أن يُغطي جميع النقاط، وبعد أخذ ورد ينتهي الاتصال من قبل المؤسسة بأن الفكرة وصلت وأنهم سيدرسونها أولاً ثم سيتواصلون معه في أقرب فرصة - دون تحديد وقت -.
وفي الوقت غير المحدد ستفاجئه المؤسسة باتصال آخر لتخبره بأن هنالك اجتماعا تم بين نخبة من أهل الاختصاص لدراسة مشروعه، ونتيجة لهذا الاجتماع إما أن يكون الرد بالموافقة أو الرفض، فإن كان الرد بالرفض سيتفاجأ الشاب مرة أخرى بسماع عذر يتم تكراره دائماً، وهو أن المشروع غير ابتكاري أو بمعنى آخر "في منه كثير"، وينتهي الاتصال بجملة تطرحها كل المؤسسات: إذا عندك مشروع ثان، قدِّمَه وأبشر!
أما في حال تمت الموافقة المبدئية على المشروع فستتبع هذه الموافقة شروط تعجيزية مُرهِقة مادياً ومعنوياً، وأن الكثير من الشباب وبعد أن تكبد الكثير من الخسائر في المال والوقت والجهد جاءه الرد بكل برود: عزيزي، نعتذر عن الدعم لعدم استيفاء الشروط، نعتذر أننا أغريناك بالحلم ثم حين حلمت قتلنا حلمك الذي لم يستوف الشروط!. إن هذه المرمطة قد تستمر سنتين وأحياناً أكثر، وهي مدة كافية جداً ليتكون لدى صاحب المشروع انطباعا بأنه طيلة الفترة السابقة كان يشحذ، ومن الطبيعي أن يتولد لديه هذا الشعور ومؤسسات دعم المشاريع كثيراً ما تعاملت معه على أساس أنها تدفع له من جيبها الخاص وكأنها ليست مدعومة حكومياً!
إذاً.. لن يُلام من سيُردِّد بأن هنالك من يستغل مصطلحات "مشاريع ناشئة، أعمال ريادية، أفكار مُبتكرة..." وغيرها من المصطلحات المُستحدثة لدعم كل شيء ما عدا مشاريع الشباب، وأن هنالك من يستغل أحلام الشباب ليحقق أحلامه. ولن يُلام أيضاً من سينصح الشاب بعدم الحلم من الأساس حتى لا يحبط.
وحتى لا أنقل صورة سلبية بالكامل عن مؤسسات دعم المشاريع، فمن باب الإنصاف القول بأن الكثير من مشاريع الشباب فعلاً لا تستحق الدعم لأنها مشاريع لا تتحلى بأي ميِّزة وأن أغلبها قائم لمجرد تحقيق الأرباح السريعة غير المدروسة، ولو أن مؤسسات دعم المشاريع وافقت على كل مشروع لربما ذهب الدعم إلى مصارِف غير مستحقة مما سيُؤثِر حتماً على الهدف الاقتصادي الذي تطمح إليه الدولة.
نعم.. الخلل يُوزع على جميع الأطراف، لكن هل يُوزَع بالتساوي؟، يكفي لمعرفة الجواب أن نعلم بأن ما نسبته 95% من الأموال التي تم إعدادها لدعم المشاريع لم تُستغل حتى الآن، وهذا مسؤول في شركة "سِمة" يُصرِح بأن ما تم استثماره في دعم المشاريع بلغ 4 مليارات من أصل 80 مليارا مُعدَة لهذا الغرض، أي أن هنالك 76 مليارا توضح بجلاء أن الخلل مؤسساتي بامتياز.
وبعيداً عن الأرقام المالية التي تدعو للدهشة، نجد أن "صندوق التنمية" لم يُوافِق إلا على 4% من مجمل الطلبات التي قُدِمت له بحسب تصريح "الدكتور عبدالرحمن الحيدر"، وأن بنك التسليف ما وافق إلا على 7% من المتقدمين، وسأردد هنا ما ردده الحيدر بأننا يجب أن نعيد حساباتنا.
نعم يجب على مؤسسات دعم المشاريع أن تعيد حساباتها، فهنالك 95% من أموال دعم المشاريع موضوعة على الرف بجانب الـ95% من ملفات المشاريع التي تم رفضها، ورغم هذه الإخفاقات لا تزال مؤسسات دعم المشاريع وحاضنات الأعمال تُفخِّم وتزخرف العبارات والجمل الواردة في خانة "نبذة عنّا" وكأن هذا هو إنجازها الأبرز فعلاً!