تتمثل محاولات الوصول للعالم الأول، في وجود مبادرات في مجالي العلوم والتكنولوجيا، ويتوقف نجاح تلك المبادرات على وجود مراكز تكنولوجيا وبنية تحتية عالية المستوى ومجموعات بحثية Research Groups وبنية تحتية أيضاً للبحث العلمي كي تنجح المجموعات البحثية في عملها.. هذه الاشتراطات غاية في الأهمية كبداية لأخذ الخطوة الأولى نحو العالم الأول.. لكن هذه الخطوات لها متطلبات عالية المستوى فهي تتطلب مرافق وتجهيزات متقدمة جداً تقوم عليها كوادر عالية المستوى لديها رؤية بعيدة وتتمتع بالذكاء والمعرفة والتدريب العالي.. وعندما تتوفر لدينا المبادرات في مجالي العلوم والتكنولوجيا وتجهيزاتها وكوادرها لابد أن نكون قادرين على التحويل السريع والعاجل جداً لهذه المعارف وهذه التكنولوجيا إلى اقتصاد وإلى قيمة مجتمعية.. نحن دائما نبتهج بوجود المبادرات والكوادر.. والبنية التحتية.. بل إن ذلك يذهلنا.. هذا جميل ومطلوب.. ويحق لمن ينجزه أن يبتهج به لكنه لا يكفي للوصول إلى الأهداف.. وهذا كما يقول المثل جيد لكنه لا يكفي Good but not Sufficient قيمة كل ذلك أن يتحـول إلى اقتصـاد.. وهذا ما يسمونه "اقتصاد المعرفة" الذي لا ينضب. المجتمع الغربي الآن استطاع تحويل 50% من اقتصـاده إلى "اقتصاد المعرفة" استطاع أن يستثمر الطاقة المستديمة المتمثلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والأمواج والتناضح العكسي وتحويلها إلى اقتصاد وتقوية ميزانه الاقتصادي الوحيد.. لأن ذلك كمن يجعل كل بيضه في سلة واحدة. إذا سقطت السلة تكسر كل البيض.. ولهذا عندما يتعرض ذلك المصدر لهزات في أسعاره أو ينضب بعد فترة زمنية تحولت المجتمعات التي تعتمد عليه إلى مجتمعات شبه بدائية لأن مصدر رزقها الوحيد ومصدر محافظتها على تطوير أو على الأقل صيانة مكتسباتها أمر غير ممكن..

هناك خطوات للنجاح في هذا المجال:

أولاً: البدء في عمليات تسمى الحضانة للمشروعات التي توصلنا للعالم الأول ثم وسائل التسريع ثانياً، ليس فقط بتنفيذ تلك المشروعات بل التسريع في تطبيقها على أرض الواقع حتى نرى بشواهد وأدلة وأمثلة أن أهدافها قد تحققت.. ويتطلب أمر التطبيق توحيد الجهود Consolidation ثالثاً، حتى تثمر بالشكل الذي خطط له..

هناك في عالمنا فجوة كبيرة بين البحث والتطوير. السعي إلى ردم هذه الفجوة أو إلى تجسيرها bridging أمر هام.. كثير من أعمالنا النظرية لا يتم تطبيقها.. أو يتم تطبيقها بشكل هزيل.. عندما نستمع "نظرياً" إلى مشروعات وخطط وبرامج تصاب بالذهول والدهشة.. لكننا عندما ننتقل إلى التطبيق إلى أرض الواقع نصاب بخيبة أمل كبيرة وأنا أتكلم من واقع خبرة وتجارب.. كثير.. أو معظم (حتى لا أقول كل) مشروعاتنا مدهشة (نظرياً) لكن لا أثر لها على أرض الواقع بالشكل الذي يجعلنا ننافس العالم الأول، أو على الأقل نصل إلى مستواه.. نحن خصوصاً في المملكة لا ينقصنا شيء.. الشيء الوحيد الذي ينقصنا هو ألا يندهش وزراؤنا ومسؤولونا التنفيذيون عندما يستمعون أو يشاهدون عرضاً لخطة أو مشروع أو برنامج بشكل نظري ينافس ما هو موجود في العالم الأول أو يفوقه.. لا يحق لهم ذلك.. يحق لهم أن يندهشوا فقط عندما يرونه يطبق على أرض الواقع.. وهذا لا يكفي.. يندهشون عندما يلمسون بالشواهد والأدلة والأمثلة على أن كل ذلك قد أحدث أثرا في المجتمع كل فيما يخصه.. وهنا مشكلة المشاكل.. لا يجب أن ينبهر الوزير بما يراه بشكل نظري بل ينبهر بالنتيجة التي يحققها ما يراه.. إن الانتهاء من أي مشروع أو شراء تكنلوجيا متقدمة، ووجودها في مدارسنا أو مستشفياتنا لا يحقق أكثر من 1% في رأيي.. والـ99% الباقية تتحقق عندما تحقق هذه الإنجازات ما وضع من أهداف وما لها من أثر.. وما أحدثته من تقدم وتطوير في مجالاتها.

أؤكد لكم أننا إن بقينا نبتهج بما نحققه على المستوى النظري أو نعجب بما نشتريه وبما نشيده دون أن نسعى جاهدين ليحقق كل ذلك الأثر المطلوب لن نصل إلى العالم الأول.. ولن نقترب منه.. الإعجاب بشكل نظري لما نسمعه أو ما نشيده تخدير وعواطف لا تفيدنا.. الذي يفيدنا أن يطلب الوزير أو المسؤول شواهد وأدلة وأمثلة على الأثر الذي تحقق بالتطوير الذي حدث.. ويجب أن لا يقبل الوزير المسؤول تقريراً على غرار القصة الجميلة بل يكشف التقرير بوضوح بوجود شواهد وأدلة وأمثلة.. هذا إن كنا جادين في الرغبة للوصول إلى العالم الأول.