هل طالت غيبة السؤال في العنوان بعاليه أكثر مما ينبغي في الإعلام، وفي أوساط "الأنتلجنسيا" السعودية؟ لم وما الأسباب؟
وحين قرأت بعض الإشارة للسؤال والأسباب أيضا في مقال الزميل العزيز فهد الأحمدي، بالزميلة "الرياض" قبل يومين، أدركت أن السؤال كان غائبا، لا لصعوبة الطرح، ولا لاستحالة الهضم، بل لليقين المجتمعي الكامل أن السعودية تشتري كل شيء، وتملك من القدرة والتمويل صناعة كل شيء، لكنها لا تحتاج إلى السلاح النووي، ولم يكن ضمن أجندتها العسكرية حتى مجرد التفكير في اقتناء هذا السلاح.
السعودية واحدة من أكثر دول العالم حساسية ضد انتقال الحروب، وخلال قرن كامل من الزمن دخلت إليها غير مختارة في حالتين فقط: عند الغزو العراقي لدولة الكويت، وعند الحالة "الحوثية" مطلع العقد الأخير من الزمن.
عشية زيارة الأمير سلمان بن عبدالعزيز إلى إسلام أباد، سارعت وزارة الخارجية الباكستانية إلى إصدار بيان واضح، نفت فيه وجود أي تعاون نووي عسكري بين السعودية وباكستان.
البيان الباكستاني قطع الطريق على عشرات الأسئلة المبنية على أدبيات واهمة من الشكوك والظنون، وصلت حد الاعتقاد أن القنبلة النووية الباكستانية ولدت بشيء من التمويل السعودي.
أسهم التعاون العسكري الوثيق بين البلدين على تعزيز هذه الشكوك، وتضخيم كرة ثلج الأسئلة الساخنة عن سقف هذا التعاون، متناسية أن السعودية كقوة اقتصادية جوهرية في هذا العالم، لن تغامر بوضع هذا الاقتصاد الهائل تحت رحمة الضغوط.
السعودية من قبل، وعبر تاريخ طويل، لا تجنح للقمار السياسي. وكلنا يعرف بالضرورة أن السلاح النووي مجرد وسيلة ردع لا استخدام.
تتراوح أرقام الصرف العالمي على صناعة السلاح النووي من البحث إلى المختبر والمصنع حتى اللحظة، ما بين عشرة إلى خمسة عشر تريليون دولار، وكلنا يعلم أن كل ما استخدم منه حتى هذه اللحظة مجرد أول قنبلتين بدائيتين. لكنه ـ وللمفارقة ـ هو نفس السلاح الردعي الذي جنب كل العالم صراع القوى الكبرى، وعبثيات حروبها العالمية، لأن السلاح النووي هو أول من برهن للعالم أن الحروب من بعده لن تكون مزحة.
وعودة إلى السؤال السعودي الغائب عن السلاح النووي. نحن نعلم ـ مثلا ـ أن دولا ذات اقتصاد ضخم مثل ألمانيا واليابان لا تملك هذا السلاح.
والجواب عن سؤال الغياب لهاتين الدولتين أنهما بالاتفاقيات الرسمية تقعان تحت حماية المظلة النووية الأميركية.
قد لا نعلم أن هذه المظلة مع الأخرى الروسية، قد وسعت بالضمن خريطة النادي النووي، العالم يتحدث اليوم عما يقرب من عشرين دولة نووية، إما بالإنتاج المبطن أو بالاتفاق للدخول تحت خياراته من المظلات النووية المعلنة.
وفي الحالة السعودية، تبدو حالة بلد مستقر، وباقتصاد بالغ التأثير والقوة. ومع هذا يعيش وسط خريطة ملتهبة مضطربة، وهو ما يسمح لمجانين القمار السياسي بإغراءات المغامرة.
أنموذج صدام والكويت لا زال يعيش في الذاكرة القصيرة. لماذا هذا الإصرار الإيراني على المضي إلى خط النهاية في هذا "المشروع"، ونحن نعلم أنها لن تذهب بطلقة تقليدية واحدة إلى أي من دول النادي النووي، ولا إلى الملتزمين بمظلاته المختلفة؟
لماذا استند خطاب الخداع الإيراني على وهم "الإمبريالية" الصهيونية، ونحن نعلم بالبرهان التاريخي أنها لن تدفع بجندي واحد إلى المواجهة الإسرائيلية.
حتى إسرائيل نفسها تدرك ـ بلا شك ـ أن كفة الميزان اليمين من الكتلة العربية تأتي من قوة الاقتصاد السعودي.
سؤال الغياب في السلاح يكمن في موقعنا على الخريطة، مقارنة بمواقع أعدائنا المحتملين أو الحقيقيين، على نفس الخريطة. حتى الاقتصاد الضخم الذي لا يحتمل المغامرة ولا الانجرار وراء طيش الآخرين، مثلما فعلت السياسة السعودية عبر كل هذه العقود، أصبح ـ بزعمي ـ بحاجة إلى وسيلة ردع.
نحن رمانة الاقتصاد العالمي، ولدينا ربع احتياطات العالم من الطاقة المستقبلية والآنية، ولذا فإن العالم من حولنا لن يتحمل تهديدا حقيقيا للأمن الاقتصادي العالمي ولو ليوم واحد.
المنطقة برمتها من حولنا مقبلة في العقود القصيرة القادمة على حالات من الجنون السياسي، ومن الصعب بمكان أن تبقى في هذه الحالة "بثوب نظيف" في غابة من الوحل.
ومرة أخيرة، فهذا السلاح ليس للمباهاة، ولا للمزح، ولا للاستخدام. هو مثل ما انتهى إليه الزميل فهد الأحمدي: حتى يعرف الطرف المقابل أن لديك مسدسا تخفيه تحت "المشلح". إما بدخول ناديه أو الاحتماء بمظلته.