قرؤوا السينما بشكل خاطئ، قالوا إنها جاءت لتلغي المسرح بكل تاريخه وضرورته للإنسان، وظنوا أن اكتشاف الأخوين لوميير هو طعنة في قلب المسرح منذ الإغريق، وبالتالي هو طعنة ضد الوعي والثقافة لصالح السطحية والتفريغ.
أيضا قرؤوا التلفزيون بشكل خاطئ، وقالوا إنه جاء لضرب السينما العظيمة والفن السابع النبيل المدهش ملهب الخيال والمتعة في تجلياتها، لرميها في غياهب النسيان ودهاليز الحضارة البشرية، باعتبار التلفزيون سينما صغيرة توجد في كل منزل؛ لذا فإن الذهاب للمسرح والسينما بمسارحها ونجومها وقاعاتها وصالاتها انتفت.
قرؤوا الفيديو خطأ، زاعمين فقد السيطرة على ما يمكن مشاهدته، لم نعد قادرين على ضبط ما يراه أبناؤنا، انفرط عقد الرقابة العقلية وساحت الأخلاق، وفي زمن الفيديو هكذا روجوا، متهمينه بضرب منظومة القيم الضابطة، وتفريغ المسرح والسينما والتلفزيون من الرسائل الإنسانية الإبداعية التي نشأت الأجيال عليها، بقيادتهم إلى دروب لا تعرف نهايتها، ذاتهم كرروا ذات الشعارات مع دخول القنوات الفضائية ببثها المباشر، تمترسوا بكل شيء من أجل كل شيء.
دخل الإنترنت على خط البشرية، فروجوا فزاعاتهم، وأصبحت الحياة مخيفة بعيونهم وأذهانهم، فقالوا الآن انتهى كل شيء، المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون والفيديو والرقابة والصحافة والأخلاق طبعا، تناسوا أن الأشياء الجيدة والمكتسبات الإنسانية لا تلغي بعضها، بل تتراكم ويبقى لكل شيء جمهوره، ويثبت الزمن أن أصحاب مثل تلك الآراء المرعوبة النهمة بإشاعة النهايات، وشطب المراحل الحضارية بتراكماتها، سيبقون يمارسون هذه الهواية عبر الزمن، ومع كل منتج جديد، ودليل ذلك بقاء المسرح ورواج السينما وصمود التلفزيون والصحافة سواء المطبوعة أو الإلكترونية والقنوات الفضائية والإنترنت وما سيأتي لاحقا؛ لأنها سباق حضاري إنساني مستمر ومتحرك منذ فجر التاريخ وسيبقى كذلك، كل ما يحدث أن عربة تقنية تتحرك باتجاه ما لا نعرف، وهذا ما ينتج موقفا كهذا، فالناس بطبيعتها عدوة ما تجهل، وإلى أن تتآلف معه وتتعاطاه، فإن شيئا جديدا يطرأ.