يحاول بعض المثقفين والوعاظ ضبط فائض النقد الاجتماعي من سباب وشتائم على وسائل التواصل الاجتماعي، إما من خلال نقل المعارك إلى الأرض عبر رفع الدعاوى للمحاكم وإما عبر الوساطات الشخصية بين الأفراد بشكل مباشر، وأقلهم يقوم بوعظ مكتوب في الصحيفة - إن كان كاتباً -، أو وعظ مسموع عبر خطبة الجمعة حول إشكالات وسائل التواصل الاجتماعي من تويتر وفيس بوك... الخ.
لنبدأ من هناك حيث بدأت المطبعة قبل قرون، هناك في أوروبا، حيث خاف رجال الدين من عمل هذه الآلة التي ستجعل الكتاب المقدس عندهم متوافرا بأيدي الناس من كل الطبقات، وهنا تبدأ مشكلة رجال الدين المسيحيين، إذ يمكن لأي أحد أن يقرأه ويحاول فهمه دون الرجوع لهم، وبإمكان أي أحد أيضاً أن يقتني كتباً أخرى لا يعلمون عنها، حاول رجال الدين ضبط هذه المسألة بصناعة قوالب فكرية من نوع (من كان شيخه كتابه كان خطأه أكثر من صوابه) إشارة إلى أهمية رجل الدين في حالته المهيمنة والمسيطرة والمستلبة لعقول طلابه.
بعد هذه الثورة في طبع الكتب حصل ما حصل عبر هذه السنين الطويلة مما تنعم به أوروبا من حضارة مليئة بالامتيازات والعيوب كأي حضارة سابقة وكأي حضارة لاحقة.
خطيب الجمعة يحذر من وسائل التواصل وله حساب فيها!؟!، الأكاديمي يتحدث عن خطرها وله حساب فيها!؟!، علماء النفس يتحدثون عن آثارها في الوجدان ولهم حساب فيها!؟!.
نلاحظ في طبيعة وسائل التواصل مرتكزات أساسية في التصميم، تدور على نمط من الحريات والضوابط وفق مفهوم فرداني قادم من ثقافة ديموقراطية إلى النخاع. الإشكال العربي تجاه هذه الضوابط هو أنها غير كافية في إشباع ردة الفعل تجاه الأذى الشخصي لالتباسه بمفهوم القطيع، الذي يتمترس به وعليه من لم يستطع تحقيق ذاته الفردية، فكيف يريد المثقف أن يكون تنويرياً وهو يقع في نفس خطأ مهاجميه في صناعة تمترس وعصبية مقابلة تعيد المثقف ومن معه لمربع القطيع من جديد!؟!، وكيف يريد المثقف أن يكون تنويرياً وهو يستغل جهل المداخلين عليه في وسائل التواصل عبر كلماتهم الطائشة وغير المحسوبة فيحيلها إلى أداة قمع في يده عبر إقامة دعوى ضدهم كجرائم إلكترونية اقترفها هؤلاء المندفعون الطيبون، الذين ليسوا خصماً حقيقياً للمثقف، فخصمه الحقيقي هو الجهل والتخلف والعصبية والظلامية وكل مظاهر الجاهلية ضد الإنسان والإنسان فقط بلا تمييز عرقي أو طائفي.
عطشنا للصراخ البرلماني وللتعبير عن آرائنا يتجلى على صفحات "الفيس بوك والتويتر والواتس أب" وغيرها، وهذا ليس عيباً حتى ولو جاء أحدهم كما في البرلمان المصري ليترك المداخلة البرلمانية ويبدأ بالأذان مزايداً على دين بقية الموجودين.
ولهذا فيجب على المثقف أن يكون أوسع الناس صدراً على كل ما يصدر من المجتمع عبر إفرازات فجة من المفيد جداً أن تظهر للعلن كي تستنفد طاقتها السلبية النابعة من مخزون هائل من المكبوت الاجتماعي، وعلى المثقف أن يكون الصدر الحنون لامتصاص هذا الاندفاع بدلاً من إعادة تكريس المكبوت عبر القمع النظامي أو الشرعي.
إن في إشاعة هذا المزاج الاجتماعي وفي تجاهل الأذى الكلامي، واقعا جديدا قابلا لاستيعاب مفاهيم التعددية، وهناك ضوابط ثابتة طرحها المشرع في نظام الجرائم الإلكترونية، تعد هي المرجع في الخلاف لضبط العنت الإلكتروني في المجتمع، وهذا دليل على أن العالم الافتراضي لم يعد افتراضياً بقدر ما هو عالم يتماس مع واقعنا ليلا ونهاراً، يهز وجداننا طرباً وحزناً، يصنع مواقفنا وتوجهاتنا، بل يؤثر ويتأثر على جميع الأصعدة.
إذن علينا الاعتراف بأهمية هذه الوسائل في قياس الرأي العام بشكل شفاف، صحيح أن هناك إرباكات متعمدة من البعض عبر صناعة مزاج معادٍ لفرد أو فئة أو حتى توجه حكومي، وكل هذا مقبول ما دام لا يحرض على اقتراف جريمة تجاه فرد أو مجموعة أو نظام عام.
لن أقول هناك في بلاد الغرب يُرمى الوزير بالبيض والنعال، ويحتمل هذا، ويحاسب الفاعل وفق الأنظمة المسبقة لمثل هذه الحالات، وتتناول الصحافة هذه الحادثة كجزء من البناء التفاعلي المتماسك لهذه المجتمعات التي تتكئ على إرثها المتجاوز لواقعنا في معايير التسامح والتعددية والقبول بالرأي والرأي الآخر، دون حاجة هذه المجتمعات لعبارات من نوع (أخذوه لوراء الشمس).
لماذا أرجو من المثقف ما لا أرجوه من غيره؟ لأنه الوحيد القادر على استيعاب المتغيرات الحديثة واستشرافها أكثر من غيره، بخلاف الآخرين الذين يبدؤون كعادتهم بالتحريم والتجريم لكل ما هو جديد عليهم، ثم يعودون أكثر المندفعين فيه وبه، أقول نرجو من المثقف أن يكون أهلاً للتسامح بقدر ما تسعفه بشريته، وليتذكر أن ردود الآخرين عليه ليست سوى إشارة جيدة، وأنه يقوم بدوره الحقيقي في تحريك الآسن الاجتماعي وإظهاره للشمس لتقوم بدورها عبر الزمن في قتل بكتيريا الوهم والتخلف والخوف وكل غرائز الجهل والريبة والتعصب الأعمى.
وسائل التواصل وعلى رأسها تويتر تعد مدرسة للديموقراطية وبرلمانا حرا بالانتخاب لا بالتعيين لمن لا يعرفه، ونحن في مرحلة الروضة/ التمهيدي، وأعاننا الله على بعضنا بقدر ما نستطيع، ومشوار النهضة للشعوب يقاس بالأجيال والقرون وليس بفرد لا يتجاوز عمره ومضة في عمر البشرية، التي بدأت أولى خطوات الحضارة باكتشاف الزراعة، وقد تأخرنا كثيراً كثيراً على المستوى الإنساني مقارنة بغيرنا ممن نهرب من واقعنا إلى مخترعاتهم لنشتمهم فيها!!، وما زالوا يكتشفون الأدوية ويصنعونها لشفاء الأمراض منذ الكوليرا وشلل الأطفال، التي كنا نستسلم لها بحجة العين والسحر، أو نقاومها عبر كي أجسادنا وأطفالنا بالحديد والنار.