الانشغال بمن رضي أسوأ من الانشغال بمن لم يرض، لذا فكتابات كثيرة تملأ الصحف، تزخر باستجلاب التنميق والتبريرات أكثر من تناولها قضايانا نفسها. أظرف هذه التبريرات ـ التي تأتي في سياق التنزيه الشخصي ـ التي يحاول صاحبها تجريد نفسه من الخصومات مع أي طرف، ويلتصق عنوة بالموضوعية والاستقلال، مضفيا هاتين الصفتين على نفسه، في حين أن هذه الشهادة يملكها طرف واحد هو الجمهور فقط، الذي يستحيل بالضرورة أن يتفق بشكل مطلق على أحد أيا كان. يحدث أحيانا أن يلقى اسم ما ارتياحا شعبيا أكثر من غيره، لا أكثر من ذلك.

يمكن أن ترى هذه الظرافة والمثالية الخجولة عند الحديث عن بعض رموز التيار الديني، الذين قدموا أنفسهم لفترة طويلة، أنهم حماة الوطن والشريعة والشرعية والبلاد، وقد حدث هذا بمعونة جهات مكّنتهم تماما من قيادة المجتمع، لكن سرعان ما انقلب كثيرون منهم، إن تلميحا أو تصريحا، مع فورة الثورات العربية ووصول الجماعات الإسلامية للحكم، فبعد أن كانوا حراسا للشرعية والشريعة والوطن، أسروا وأعلنوا عن أحلامهم وطموحاتهم التي لا يقبلها المنطق. أما ما يحدث في بلاد الخارج فقد كانوا يتحدثون عن أزمات الجماعات الإسلامية في بلاد أخرى وكأنها تمس مشاريعهم وحلمهم هنا. هم أنفسهم أصحاب الاحتجاجات الطويلة والعريضة على تغيير المناهج، وتعليم الإنجليزية، وقيادة المرأة، وتأنيث بيع الملابس، مناوئو وزارة العمل، المتشفون بموت غازي القصيبي، ومحتسبو معرض الكتاب والجنادرية، ودعاوى التغريب، ومطاردو الناس في الشوارع والحدائق والأسواق، من يتترسون وراء حمايتهم للأخلاق والفضيلة، ويجرحون المجتمع في كرامته وقيمه، القائلين صراحة إنه لولاهم لامتلأت الأرصفة باللقطاء.. إلخ، هم أنفسهم الذين لا يتحدثون عن مصر مثلا من منطلق الأخذ والرد، فيما إذا كان ما حدث فيها ثورة شعبية أو انقلابا، بل يتناولونه بغبن وشتائم وحدّة، وأنه انقلابٌ على الإسلام، "إسلام الجماعة الأممية الكبرى"، التي هم جزء منها في الهدف، وإن خالفها بعضهم في التطبيق. لا أعرف صدقا ما معنى التحايل على قول هذا الأمر وكشفهم بجلاء، ومن يريد أن يُرضي من، ومن يخشى مِمَن، ولماذا هذا التنميق السمج وادعاء الموضوعية والخلو من الخصومة، لقول شيء واضح وضوح الشمس كهذا، حتى إنه حين يُقدم بعض الإعلاميين على مواجهتهم، يضطر أن يتغطى بغطائهم، وأن يستعير الاستشهادات والمقولات بمن يتكلم بحجتهم، ويستخدم نفس قدسياتهم الاجتماعية ومظاهرهم. ما المشكلة في قول الأشياء كما هي بصفة المواطن، لا الشيخ؟ لماذا الإصرار على هذه المقامرة الخطرة؛ "نحتال بكم على الناس، ونحتال بكم عليكم!".