كل عام والمسلمون بخير. وأزال الله عن النفوس التي لم يهذبها هذا الشهر الكريم الفضيل، الذي نعيش اليوم جمعته اليتيمة، ما علق بها من أحقاد ربما صنعتها البيئة التي تربوا فيها، وأقصد بالبيئة هنا: المكان والآباء والمعلمين والأصدقاء...، إلى آخر مكونات طبائع البشر، فأصبح داء الحقد متغلغلاًً راسخاً، أصله في الجذور وفرعه في الأبناء والأحفاد!.

هؤلاء الأبناء والأحفاد الذين كان يُظن فيهم أن يكونوا حاملي لواء التنوير والتطوير والإصلاح والتحضر – حتى وإن اتسم ماضي آبائهم وأجدادهم بالعنف في كل شيء، حتى أثمر هذا السلوك انحرافاً لا أقول في العقيدة فحسب، بل في الآدمية ذاتها - هم سبب معاناة المجتمعات بل والدول التي تنشد التطور والرقي. هؤلاء هم الذين يشدون بلادهم للخلف مئة خطوة كلما تقدمت – أو أرادت أن تتقدم - خطوة واحدة!.

كل مجتمعاتنا العربية – مع الأسف الشديد – تعج بمثل هذه النماذج الرديئة المصابة باعوجاج أزلي في تكوينها ونشأتها وفكرها وسلوكها، ولو كانت هذه النماذج خافية على من حولها – على الأقل – لأصبح وجودها مبرراً، ولو على سبيل تبرير وجود الجرذان في الأماكن الخربة!، ولكن أن يصبح مثل هؤلاء المرضى، اللئيمة نفوسهم (لا اللوامة)، في موقع المسؤولية، بل والمناط بهم إكمال مسيرة التطور التي بدأها غيرهم، فتلك كارثة لا أعتقد أن عالمنا العربي سينجو من آثارها على المدى المنظور!.

ولكي لا يكون هذا الكلام مرسلاً على عواهنه، فلتنظر كل دولة في أسباب تأخرها بعين لا يشوبها عمى المصالح الشخصية، ولتقرأ كل مؤسسة سلوكيات قيادييها بنفس العين الصافية، ولتتأمل كل جهة - حكومية كانت أو أهلية - في آراء وسلوك الشخصيات التي تقودها أو تملك قراراً مؤثراً في مسيرتها...، النتيجة الحتمية التي سيخلص إليها كل هؤلاء لن تخرج عن ضرورة التخلص من هذه النماذج المقيتة، ولكن يبدو أننا - مع الأسف - لا ننظر ولا نقرأ ولا نتأمل، أو أننا ننظر ونقرأ ونتأمل ثم لا نفعل شيئاً لأننا (وهي الطامة الكبرى) مثلهم، أو نسعى للصعود على أكتافهم، وهو صعود يقربنا أكثر وأكثر نحو الهاوية!.

وهنا، أرى أنه من الأمانة ألاّ يصمت الشرفاء عن مثل هذه النماذج، وألاّ يكونوا متسترين على جريمة وجود الشخص غير المناسب في واجهات ينبغي أن تكون عنواناً للرقي والتقدم والازدهار، فيُساء إلى الأوطان، ويصبح الباحث عن هويتنا الحقيقية كالباحث عن إبرة في كومة قش!.