في يوم السبت "22 فبراير" أقر مجلس الأمن بالإجماع قرارا مفصليا عن الوضع الإنساني في سورية، وكان لافتا موافقة روسيا عليه، بعد أسابيع من رفضها لمشاريع قرارات سابقة عن الموضوع. وهي أول مؤشر عملي على أن روسيا ربما تراجع سياستها في سورية.

وكان وزير الخارجية الروسي سرجي لافروف، قد شارك في الاجتماع الوزاري الثالث للحوار الاستراتيجي بين مجلس التعاون وروسيا، الذي عُقد في الكويت يوم الأربعاء الماضي "19 فبراير". ونظرا لأن الجانب الروسي كان شديد الحرص على عقد ذلك الاجتماع، بعد أن تم تأجيله في الماضي؛ بسبب الخلاف حول سورية، فقد ظن البعض أن يكون لديه مبادرة أو مقترحات جديدة. إلا أن ذلك لم يكن، سوى ما ظهر من مرونة نسبية في الشأن الإنساني.

وتعود بدايات هذا الحوار بضع سنوات، حين فاجأ مجلس التعاون وروسيا الكثيرين بقرارهما الدخول في "حوار استراتيجي" بينهما.

وعُقد الاجتماع الوزاري الرسمي الأول للحوار في 1 نوفمبر 2011، في أبوظبي، ولكن اجتماعات تحضيرية سبقته على مدى عدة سنوات.

وأسس اجتماع أبوظبي، للمرة الأولى، آلية رسمية للمشاورات والتعاون بين مجلس التعاون كمنظمة إقليمية ورسيا الاتحادية، وتم الاتفاق فيه على أن يغطي الحوار نطاقا واسعا، بما في ذلك التجارة والاسثتمار، والطاقة، والتعليم، والبحث العلمي، والصحة، والبيئة، إضافة إلى التنسيق السياسي.

ووُقع في أبوظبي، وسط اهتمام إعلامي ملحوظ، على مذكرة للتفاهم تحدد معالم هذا الحوار الاستراتيجي الجديد. وبناء على ذلك، بُدئ في إعداد "خطة للعمل المشترك" تغطي تلك المجالات، تضع أهدافا واضحة وأنشطة وآليات قابلة للتنفيذ وفق برنامج زمني محدد.

كان مجلس التعاون يتطلع إلى محاولة شق مسار جديد للتعاون مع روسيا، بعد عقود من التجاهل والجفاء. قبل اجتماع أبوظبي، كانت هناك اجتماعات ومشاورات بروتوكولية بين الجانبين، تُعقد عادة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. وابتداء من عام 2008، بدأ الجانبان في عقد اجتماعات تحضيرية، في الرياض وموسكو ونيويورك، للتهيئة لبدء الحوار الاستراتيجي. وتحدث المشاركون في اجتماع أبوظبي عن عزمهم المشترك لتعزيز السلام والأمن والرخاء الاقتصادي، فضلا عن تعزيز العلاقات بين الشعوب.

وكان التعاون الاقتصادي جزءا مهما في تلك الرؤية، كما وضحها الجانب الروسي خاصة. وعُقدت لهذا الغرض اجتماعات مشتركة لقطاع الأعمال لاستكشاف الفرص الممكنة. فعلى الرغم من الإمكانات الضخمة في روسيا ومجلس التعاون، لم يتجاوز حجم التجارة بينهما (2.5) مليار دولار عام 2012، شكلت الصادرات الروسية 80% منها. وهذه الأرقام ضئيلة مقارنة بحجم التبادل التجاري مع الصين، أو الهند، أو اليابان، أو الولايات المتحدة، إذ يتراوح حجم التجارة معها بين "100" و "150" مليار دولار لكل منها.

وأكثر من ذلك، فإن هذا الحجم الضئيل من التبادل التجاري بين روسيا ومجلس التعاون لا يتواءم مع حجم الاقتصادين الروسي والخليجي، إذ يتجاوز مجموعهما "3.7" تريليونات دولار.

وكان الاستثمار أحد أهم أهداف التعاون الروسي الخليجي المقترح، حيث يتمتع الجانبان باحتياطات مالية عالية، يطمحان إلى استثمارها. ويمثل قطاع الطاقة مجالا واعدا على وجه الخصوص، نظرا إلى أن روسيا أحد كبار منتجي الغاز والنفط. وترغب روسيا كذلك في التعاون مع دول المجلس في مجالات الصناعة والطاقات المتجددة والاتصالات وغيرها. وترغب دول المجلس في استطلاع إمكانات التعاون بين مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، والصحة.

وفي المجال السياسي، كانت هناك ملامح اتفاق في نوفمبر 2011، حين لمّح لافروف إلى استعداده لقبول حل للأزمة السورية على غرار المبادرة الخليجية في اليمن.

ولكن تلك البداية المتفائلة في أبوظبي لم تدم طويلا. فسرعان ما أخذت روسيا منحى متشددا عززت فيه تحالفها مع النظام السوري، وأفشلت الجهود الدولية الرامية لإنهاء الأزمة. ودون جدوى تُذكر، عُقدت اجتماعات عدة، في الرياض ونيويورك، لردم الفجوة بين الموقفين الخليجي والروسي.

وحتى حين بلغ عدد القتلى في سورية "150" ألفا، أبرياء قتلتهم الطائرات والصواريخ الروسية الصنع، تجاهلت روسيا نداءات الأمم المتحدة والجامعة العربية وغيرهما للتدخل لوقف حرب النظام على المدنيين.

قدمت روسيا حججا كثيرة لتبرير دعمها للنظام، ولكنها حجج واهية. فهي تقول مثلا إنها ليست معنية بإطالة أمد حكم بشار، ولكنها ترى أن مصيره يجب أن يقرره الشعب السوري وحده، وتنسى أن الشعب قد اتخذ قراره بالتخلص من بشار، ودفع ثمنا غاليا لذلك القرار.

وتقول روسيا أيضا، إن جماعات إرهابية قد التحقت بالمعارضة، وأصبحت تهدد سورية والمنطقة بأكملها. وتخشى روسيا من التأثير المحتمل لهذه الحركات على المناطق ذات الأغلبية المسلمة، إذ تقول إن مئات من مواطنيها قد انخرطوا في القتال في سورية. ولكن في الحقيقة، إن إطالة أمد حكم الأسد هي ما سهّل للجماعات الإرهابية تجنيد مقاتليها، وإن الإسراع في حل الأزمة هو أفضل طريقة للحد على نفوذ تلك الجماعات ومن قدرتها على حشد الدعم لها.

وأكثر حجة ترددها روسيا، هي ما تتمسك به من أفكار قديمة تتعلق باحترام السيادة و"القانون الدولي"، الذي تعتقد أنه يمنع التدخل الخارجي حتى في أكثر الأزمات الإنسانية حدة. ولكن هذه هي أضعف حججها، فلا ميثاق الأمم المتحدة ولا القانون الدولي يمنعان التدخل. بل يمكن القول إن الميثاق يجعل من واجب مجلس الأمن التدخل، باستخدام القوة إن لزم الأمر، في الحالات التي تهدد الأمن والسلام العالميين، كما هو الأمر في سورية.

وخلاصة القول، إن روسيا ومجلس التعاون مهتمان من حيث المبدأ في بدء حوار استراتيجي شامل ومثمر، ولكن الجهود المبذولة لم تحقق اختراقا يُذكر، بسبب الخلاف على سورية خصوصا.

ومن ناحية أخرى، قد يرى المتفائلون أن تصويت روسيا إلى جانب قرار مجلس الأمن يوم السبت، قد يكون مؤشرا إلى أن روسيا بدأت في التفكير بالانضمام، تدريجيا، للإجماع الدولي.

وستكشف الأسابيع القادمة إلى أين يتجه الموقف الروسي، ومعه الحوار الخليجي الروسي.