عند العم الشاعر "صبر العسيري"، الذي يحل في هذه المساحة كل سبت، يأتي اللون الأخضر قبل الألوان كلها؛ لأنه مرتبط بالخصب والمطر والخير وجمال الطبيعة، ولما كان "صبر العسيري" أخضر القلب والروح، فإن الاخضرار يحضر في الصورة الشّعريّة عند أحمد عسيري موازياً لهذه المعاني، بل يتحوّل عنده إلى رمز للسعادة والحب والسماحة، مما يجعل طبيعته البصرية تذهب إلى حواس أخرى، فما يُعرف بـ"تراسل الحواس"، وهو ما كان حين يقول واصفا مدينة أبها:

واخْضِرَارُ اللّوزِ في حَلْقيْ بَدِيْعٌ

ومذاقُ التِّينِ أطباقيْ الشَّهِيَّةْ

فاخضرار اللوز صار بديعاً في حلقه، مما جعل المرئيَّ، وهو اللون، يتحوّل إلى ذَوَاقٍ ذي طعم لذيذ، وثمر اللوز مما يؤكل، ومما تبهِج العين رؤيته في آنٍ واحد، وهو مرتبط بمدينة أبها التي كانت المزارعُ المحيطة بواديها ذاخرة به، ولذا فإن التحول من حاسة إلى أخرى مُبَرر باشتراك الموصوف فيهما.

وهو يقرن الاخضرار بسنوات السعادة في حياته، وذلك في قصيدة صدّرها بقوله: "إلى زوجتي العزيزة أم محمد"، وفيها جعلها سبباً في "اخضرار" السّنوات:

أنْتِ نَبْعُ الحَنَانِ يملأُ قَلْبي

واخْضِرارُ السّنينِ والذّكرياتِ

فالسنوات والذكريات الموصوفة بالاخضرار، هي سنوات وذكريات السعادة، مما يعني أن اللفظة الدالة على اللون قد استحالت إلى الدلالة على معان متعددة، وكلها متعلقة بالطمأنينة وراحة النفس، ليصير المُدرك بالبصر، وهو اللون، مُدركاً بالوجدان.

والعم "صبر العسيري" يكتفي بلفظة اللون الأخضر في كثيرٍ من السياقات، لأنها كافية في تشكيل الصورة:

هُنَا رَكَضَ الجَمَالُ على ثَرَاهَا

وَفَوْقَ جِبَالِهَا اخضَرّت دُرُوبُ

كما أنه لا يقف في الاتكاء على دلالات لفظة الاخضرار عند القصائد التي تصف الطبيعة، بل يستثمرها في موضوعات أخرى، ومن ذلك بيت من قصيدة يرثي بها طياراً كان آخر ما نطق به: "أستغفر الله":

"أسْتَغْفِرُ اللهَ" فوقَ الكَونِ والأبَدِ

تَخْضَرُّ كالعُشْبِ تَكسُو طَاهِرَ الجَسَدِ

فجملة: "أستغفر الله"، تخْضَرّ كالعشب، والاخضرار – هنا – صفة من صفات المشبه به، وهو العشب، لكن وجه الشبه غير ظاهر إلا من خلال استحضار الدلالات الهامشيّة التي ترد إلى الأذهان عند ذكْر المفردة في هذا السياق، وهي متعلّقة بالإيمان والخير، وربما تعلقت باخضرار لباس أهل الجنة، يؤيد ذلك ربطها بالفعل: "تكسو".

ولمّا كان اللون الأخضر موحياً بالسعادة والتفاؤل، فإنّه ذكْر اللفظة الدّالة عليه، يغني عن ألفاظٍ كثيرة، وهو ما كان عنده في موضوع مختلف، بعيدٍ عن العاطفة الذاتيّة المحضة، وذلك في قصيدة وطنيّةٍ، عنوانها: "وطن الشّمس"، حيث جعَل "الاخضرار" مقابلاً وضداً لـ"الغُبْرة"، والـ"سَوَاد":

تُبْصِرِ الرّمْلَ كيفَ عادَ اخضِراراً

بَعْدَ غُبْرٍ منَ السِّنِينِ وسُودِ

فالتنمية جعلت الرمل القاحل، يعود إلى الاخضرار، وهذا استثمار لإيحاء اللون، وما يشي به من النماء والرغَد، في مقابل لونين يوحيان بالشظف والجوع والتأخر التّنموي.

"الاخضرار" يطغى على شعر أصحاب القلوب الخضراء، سواء أرادوا ذلك، أم خاتلَتهم "خضرتهم" دون علمهم.