إن أسعد لحظة أمر بها في الوقت الحالي، هي تلك اللحظة الذي ينتظرني فيها ابن أختي الصغير "نوافي" كي آخذه في حضني، يتسلقني بطريقة جميلة، وأذهب به إلى الحديقة الجانبية من البيت، وأضعه وهو الطفل ذو العامين، على الأرجوحة الصغيرة، فيمسك بقبضتي يديه على الحديدتين وهنا أقوم بدفعه، وكلما دفعته بقوة، أغمض عينيه، وحلق بعيداً بينما شعره الطويل الأشقر يعود للوراء، وابتسامة كبيرة، وتساؤل يرتسم على وجهه، أنا لا أصف صورة من رأسي، إنما أصف ما يحدث لي في كل مرة أعود فيها من عملي، وأجد "نوافي" الصغير في انتظاري، والذي لن يعود في انتظاري، بسبب انقضاء فترة الكورس لوالدته وعودته إلى الرياض.

لكن اللحظة التي يعيشها الشيخ "نواف" كما تسميه والدتي، تخلق في داخلي تساؤلات كثيرة، اللحظة التي لا يريد أن يتوقف فيها عن الحلم، عن الهواء البارد وهو يلفح وجهه، عن اللحظة التي أدفع بها الأرجوحة بقوة حتى أشعره بعض الخلل والإزعاج، وأشاهد ردة فعله، لكنه يتجاهلني تماماً ويعيش اللحظة بكل ما أوتي من قوة. فالشيخ "نوافي" طفل يحب الحياة جداً، يسعد بكل لحظاتها رغم مزاجيته الواضحة، إنه لا يزال يعرف تماماً ما يريد وما لا يريد، لذا حينما أقوم بدفعه بقوة، كل ما هنالك أنه يخرس الخوف بداخله، ويغمض عينيه، ولا يفتحهما إلا بعد مضي عددٍ من الثواني لكي يتأكد أنني لا أزال باقية أمامه لدفعه مرة أخرى.

السعادة التي يلتهمها الشيخ "نواف" صغير العائلة، تذكرني بكل السعادات التي أجدها في بطولات جويل في برنامجها على من يقع الاختيار عليهن، السعادة التي لا يمكن لك أن تختزلها في عبارة واحدة، ليس المهم كمية المكياج أو "تاتو" الحواجب، أو الفستان والترتر اللامع، إنما ثمة شيء كبير تحدثه "جويل" في داخل كل مشتركة، حينما تعمد بشكل أو بآخر على أن تحدث انتصارا آخر للمرأة التي تأتي إليها وقد أزالت كل زينتها، وأظهرت مدى عجزها وعيوبها أمام ملايين المشاهدين، من يرضى لنفسه أن يقول إن مشكلتي التي أعاني منها أن أنفي معوج، أو أسناني بشعة، وإن عدم وجود شعر حواجب في وجهي يعود بسبب ولادتي الأخيرة.

أن تكون قادراً على مواجهة عيوبك بهذا الأسى أمام شاشة التلفزيون، يعني أنك وصلت لمرحلة لا حد لها من التعب الداخلي، وإن وجودك هنا وأنت تكشف نقاط ضعفك يعني بأنك تمد يدك لكي ينتشلك أحد ما من هذا الغرق الآثم، من هذا القبح الذي لربما يراه غيرك أمراً عادياً، فيما أنت لم تعتد تحتمل هذا الضغط النفسي البشع عليك من الداخل. ولم تجد في الأمر غضاضة أن تصور بشاعتك التي تراها لكي تقول للآخرين، أنا الآن على أتم الاستعداد لكي أتغير وأصبح أكثر جمالاً كما أود وأشتهي!

تخلق "جويل" السعادة بداخلي، كما يخلقها "نوافي"، أحرص على متابعتها حتى وأنا في حالة سفر، وتضحك عليّ عائلتي، أي جنون ذاك الذي تعيشه ابنتهم في مدى حرصها على متابعة برنامج يعتمد على المكياج وعمليات التجميل البسيطة، لا تفهم عائلتي أنني أتابع سعادة الآخرين، قوتهم الكبيرة التي تدفعهم لأن يطلبوا التغيير من حولهم، ومشاهدة التغيير بعد ذلك. الشعور الذي يمتلكني وأنا أجد كل السعادة تملأ قلوبهن، يجعلني أشعر بأن الحياة ليست مكلفة لهذه الدرجة، أن السعادة يمكن أن تكون في إعادة الأنف إلى مكانه، وتلميع الأسنان، وارتداء ملابس لائقة، لكنها المسألة تبقى اختيارية، أنك تريد السعادة التي تحتاجها.

وما بين "نوافي" وما تقوم به السيدة الأنيقة "جويل" في برنامجها الأسبوعي، يطرق رأسي بطل رواية "حياة باي" بيسين، وهو يقاتل حتى الرمق الأخير بسبب ما قيل بأنه "نهم أحمق للحياة"، حيث يتشارك مع نمر في مصارعة الموت وسط محيط شاسع، ومواجهة غريبة لأحوال طقس مختلفة ومتغيرة جداً، تتخلل حياة بيسين العواصف والأمطار وأسماك القرش، لكنه يبقى منتصباً مواصلاً رغبته في الحياة، بيسين لم يكن يرغب في الموت، وإن كان الأمل الذي أعطاه لنا نحن كقراء كان بعيداً في أمر بقائه على قيد الحياة، لكنه كان يلجأ في كل مرة إلى استخدام المنطق في البحث عن الطعام والمأوى، محاولاً جذب انتباهنا إلى أن الإنسان طالما يملك القدرة على البقاء سيبقى.

رسائل نواف وجويل وبيسين لي بدت قوية، لقد مررت قبل فترة قريبة بأزمة صحية شديدة جداً، أنا لا أكتب ذلك لأقول إني بحاجة إلى تعاطف على سبيل المثال، لكني أقول إن هذه المرحلة الصحية خلفت وراءها أعراضا أقرب لأن تكون "اكتئابا" الأمر يبدو عادياً للأطباء، بما أنك تتناول بعض الأدوية، يمكن لهذه الأدوية أن تصيبك بما يشبه الاكتئاب. الأمر صعب للغاية، صعب لامرأة مفتونة بالحياة أن تقبل أن تشعر بحزن تجهل مصدره، لكن ما بداخلك أصعب مما تتخيل أنك تستطيع أن تنتزعه منك، أن تتخلص منه. إنه أشبه بما يقوم به بيسين مع النمر في مواجهة البقاء على ظهر قارب وسط محيط شاسع.

ولكني اليوم صباحاً، تابعت إعادة برنامج "جويل" رغم كل الألم الذي يسكن روحي الشريدة، وشاهدت سيرة السيدة السورية التي جاءت بصورة مخيفة، لتتحول إلى سيدة في قمة الأناقة، وقد طفرت كل الدموع بداخلي، فالسعادة الحقيقية يمكن أن تكون بمجرد مشاهداتنا لسعادات الآخرين، فأحياناً لربما تكون كافية!