أصبحنا نتحدث في كل شيء وعن أي شيء وفي كل وقت دون كلل أو ملل أو حتى صبر، هذا هو حالنا اليوم مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ومواقع الأخبار الإلكترونية، التي فقد الكثير منها معيار الجودة في الفكرة والأسلوب، عندما يفتح المجال لمشاركات الكتاب.

بطبيعة الحال، لست ضد أن يكون لكل إنسان وجهة نظر فيما يحيطه من أحداث، ولكن شتان ما بين وجهة النظر، وما بين الرأي المبني على دراسة وتحليل وفهم لخلفيات الأمور وتفاصيلها المتعددة، والحالة التي يعيشها الوسط الإعلامي والاجتماعي والفكري اليوم من فوضى التنظير والمزايدة، ما هو إلا مؤشر على ضحالة حقيقة يعيشها جزء كبير من أبناء المجتمع.

وضمن هذا السياق المزدحم بوجهات النظر، تحولت وقائع الثورات العربية إلى ما يشبه الموضة الفكرية والإدمان العقلي، حتى تحول كثيرون إلى سفراء ومندوبين لفكرة التمرد ذات الجاذبية الرومانسية، فكل يريد أن يصبح "تشي غيفارا"، والجميع يريد أن يظهر لمحيطيه على أنه عمر مختار جديد، يحملون بيد سلاح مفاتيح جهازهم المحمول، وباليد الأخرى عقلا مشتتا، مكوناته مفاهيم مغلوطة ومعلومات سطحية وروح ثائرة على ذاتها قبل أي شئ آخر.

المحزن المبكي، أن هذه الحالة الرومانسية تجاوزت حدودها المنطقية، عندما تحول البعض من الحديث عن الشأن العربي القريب والبعيد منه في ذات الوقت إلى التفلسف بشكل مضحك حول الأحداث التي تدور هذه الأيام في العاصمة الأوكرانية كييف، فتجد من لا يعرف حتى موقع هذا البلد الجغرافي يعيد مسببات تلك القلاقل لنهضة أممية تشربت من وعاء ميدان سمي بالأرقام وساحات دمرت بالمطارق والهراوات.

قيل إن "الضحك بدون سبب قلة أدب"، وأنا أقول إن الحديث دون دراية واطلاع قلة عقل، والإعلام الجديد برغم ما قدمه للبشرية من فوائد جمة، إلا أنه استطاع أن يعطي للفكر السطحي منصة تتجلى فيها خزعبلاتها، واللوم بطبيعة الحال لا يقع فقط على تلك الوسائل، بقدر ما يقع على الأفراد، خصوصا الواعين منهم، الذين جاروا دون أن يدروا تلك الأطروحات الساذجة، وانجرفوا باتجاه الحط من مستوى الفكر الحواري لمستويات من المنطق الجماهيري، الذي في غالبه يفتقد لكل قيمة ثقافية وفكرية تنعكس إيجابا على الوطن والأفراد على المدى القريب والبعيد.