شكلت نكسة حزيران 1967، منعطفاً تاريخياً خطيراً في علاقة مجتمعاتنا العربية بجيوشها الوطنية، وتحول قسم كبير من اهتمام الطلائع النضالية إلى حالة صراع مع الخوذات الحاكمة، وبدلاً عن المضي على هدى من تراثها الوضاء في مناهضة فلول الاستعمار ودورها المستقبلي المفترض على طريق تحديد ملامح ومقومات المشروع التحريري بشقيه القومي والوطني، راحت قوى التحرر تقاتل بعضها وتفري صغائر الصراع على صناعة الاستبداد باسم الثورة.
حقاً لقد تبدلت المعادلة النضالية لدى الجميع وانصرف كل قطر إلى إنتاج مقذوفات الصراع المخصصة للاستهلاك المحلي وإحالة الفائض منها إلى أسلاك كهربائية مكشوفة وأدوات احتكاك دائم بين هذه الدولة العربية أو تلك.
العقول العسكرية لم يعد مكانها على حدود الدولة القطرية والعقيدة القتالية لم تعد السيادة محوراً لها بيد أن الجنرالات على سدة السلطة سرعان ما أثاروا إعجاب العالم بقدرتهم على إتقان رباطة العنق وحسن اختيار الموضات الباريسية اللائقة بأصحاب الفخامة!!
أما على صعيد "الفسيفساء" المجتمعية من قيادات الرأي العام ونشطاء الأحزاب والمنظمات الإبداعية والمهنية والجماهيرية فوسعتهم معتقلات العسكر وضاقت بهم منافي الاغتراب إلى عواصم الغرب ليقع كثير منهم أسرى الإبهار وضحايا البحث المتسرع عن المنقذ الخارجي أي المستعمر القديم بما استجد على خارطته الدولية من مراكز تفوّق وسباقات نفوذ، فضلاً عن انضمام أطراف محورية تتشهى نصيبها من المغانم.
لا ريب أن الجنرالات العرب اجتهدوا في إطلاق تجارب تحمل طابع الاستحضار الوطني والقومي لخاصيتي البناء الذاتي، كما في بعض الأقطار، والعروبي القومي عند أقطار أخرى إلاّ أن هاتين الخاصيتين افتقدتا عنصري التجديد والقابلية، بحكم علاقتهما بنزوات الحاكم الفرد وهو يضع نفسه في قلب الفكرة ممسكاً مقودها ومطوعاً أهدافها والمحتشدين حولها إما لمصلحة نموذجه الاستبدادي المحلي أو متوجاً سفر بطولاته بمغامرات تفضح مطامعه التوسعية الممتدة إلى ما يليه من أقطار عربية لها ذات المستوى من الاستقلال والسيادة.
تعددت عوامل الاحتقان وصار الاستعمار الخشن أكثر نعومة من أنامل الملكة إليزابيث وفي ظل سيادة الخواء العربي ألقى المستعمر المعولم قفازاته الذهبية على هيئة شعارات مشوشة تستثمر أخطاء الجنرالات وتغذي المشاعر الشعبية المستغرقة بالإحباط بجرعات من التذمر والسخط، ترافقهما باقة من الأحلام الوردية حول سلطة الشعب والتداول السلمي وتكافؤ الفرص والدولة المدنية لتنفجر هذه الكتلة المفخخة من أغبان وتطلعات دفعة واحدة، ولكن على غير إدراك كامل بمساراتها اللاحقة وغاياتها القصوى.
الجماهير أسقطت الجنرال لكنها أسلمت القيادة لمهددات العقل والدولة والحياة..
هذه المرة لم يأت الديكتاتور من الثكنة مرصعاً بالنياشين والأوسمة وإنما خرج من حفاظات (البامبرز) الثورية شاهراً سيف الخليفة وخطاب الوعيد الأخروي ويقينيات الناطق باسم السماء!
وما غاب عن وعي شعوبنا في مآلات الثورة كان حاضراً بقوة تحت مجهر واستخدامات الاستعمار الحديث وأصابعه المنسلة من ثنايا الهتاف المطالب بإسقاط حكم العسكر على ذمة ممارسات الجنرال المتسلط.
على هذه الخلفية، أذكى الشعب المصري يقظته الثورية للوقوف أمام أولويات استثنائية في مقدمتها تحرير الدولة من الخطف وإنقاذ الوطن من الدمار وإزاء تحدٍ بهذه الأهمية غدا المشير عبدالفتاح السيسي خيار ضرورة مرحلية لها دواعيها الوطنية الملحة..
وفي وضع مصر الراهن تغدو النبرة المرتفعة حول الدولة المدنية وخطورة تسنم العسكر سنامها تعبيراً عن قلق نبيل له ما يبرره، ولكن في بلدان الربيع الأخرى كاليمن وليبيا مثلاً.. حيث أدى وصول الجنرال للسلطة إلى إقحام المؤسستين الأمنية والعسكرية في مختلف السلطات والوظائف السياسية والاقتصادية للدولة، ونجم عن ذلك عسكرة الحياة المدنية واستشراء الترف والإفساد الممنهج لقادة الفرق والألوية والكتائب؛ ما جعل الحديث عن عقيدة قتالية منضبطة بالنسبة للجيشين اليمني والليبي ادعاء يفتقر إلى دليل، بينما حافظت المؤسسة العسكرية المصرية على ثوابتها الوطنية فلا هي انحازت للجنرال المخلوع أثناء الثورة عليه.. ولا حلّت مكان الشعب قدر انصياعها لإرادته، وفوق هذا وذاك لم ينتهز الجيش فرص التحول ومشاهد الانقسام الداخلي للإجهاز على الدولة، وعلى الرغم من إدراكه المبكر خطورة الانحراف عن أهداف الثورة، إلاّ أن المجلس العسكري الموقت سلم السلطة في الأجل المحدد دون تلكؤ أو تسويف، متيحاً للمصريين تقدير تبعات الانحراف عن خط الثورة ومصالح الوطن العليا.. فلماذا يصبح الحديث عن وجود السيسي على رأس الحكم مقوضاً أمس الدولة المدنية التي بات مبكاها المختلق همزة وصل بين مروجي أجندات الشرق الأوسط الجديد وجماعات الإرهاب المسنودة من العواصم الغربية؟ ذلك سؤال ملح أعود إليه إكمالاً لهذه التناولة..