من منا لا يتذكر تلك الساعة والأسرة تلتف حول مائدة السحور الرمضاني تتغشاها السكينة فيما صوت المذياع في ركن من الغرفة يتهادى عذبا رقراقا رخيما نافذا يأخذنا جميعا لنردد معه بتؤدة وطمأنينة وشوق إلى الرحاب الطاهرة عبر جملة واحدة فحسب (إذاعة نداء الإسلام.. من مكةَ المكرمة)؟ كنا نعيدها مضبوطة بالشكل كما نطقها المذيع دون أن نعرف لماذا، ومن منا لا يتذكر – على الأقل الأربعينيين منا – صوت المعلق الكبير زاهد قدسي يرحمه الله وهو يصف المباريات عبر مربعات الملعب (مربع واحد، ومربع اتنين، ومربع تلاتة)، هكذا بلكنة حجازية حميمة ومحببة؟ وكثير من البرامج التي ما زالت تأخذ مكانها في أنفسنا وعلى صفحات ذكرياتنا القريبة والبعيدة، عرفنا عبرها مذيعين مبدعين من السعودية أو من الدول العربية الشقيقة طالما انتظرنا أصواتهم بشوق، ورسمنا ملامحهم فأحببناهم ليس هذا فحسب، بل وعلى صعيد التلقي الجيد نجد من يتابع الإذاعة ويواظب على الاستماع من جيلنا أو ممن هم أكبر منا حاضري المعلومة قادرين على استجلاء الرؤى، وفي منطقهم عمق وحضور، ولعل كبار السنّ ممن هم متعلقون بأجهزة "الراديو" أنصع دليل على الأثر الذي تركته موجات الأثير في مستوى تفكيرهم وقراءتهم للماضي والراهن وكذلك المستقبل.

اليوم – وبتفوق – تبقى الإذاعة هي الرهان على صعيد التلقي الرصين، لا أقول هذا جزما وإنما من مناط التجربة الشخصية، حيث أزعم أني كائن إذاعي يمارس تطواف الاستماع عبر عدد من الإذاعات داخل وخارج الوطن، والإذاعة السعودية في برنامجيها العام والثاني من جدة تقدم عملا مميزا ومتنوعا لا يمكن إنكاره أو التغاضي عن دوره التوعوي والثقافي والاجتماعي، كما أن التحديث الذي طال البرامج الإذاعية المباشرة أحدث ارتباطا وثيقا بين المستمع وما يقدم في إطار من الشفافية والوضوح والتعاطي المبهج، والقدرة الاتصالية العالية.

منحى آخر يجعل الإذاعة الحكومية تقبض على قصب السبق ذلكم هو حرصها وبعدها قدر الإمكان عن الإسفاف أو التدني في مستوى الطرح، وهذا ولا شك كفيل بتقديم ما يرقى إلى تطلعات المستمع بالضرورة، وإنها لمعادلة صعبة في ظل ما تقذف به بعض إذاعات الـ"fm " من غثاء لا يغني روحا ولا يسمن فكرا، ناهيك عن التهاون في التوظيف اللغوي بما يجعلك تشعر أن المذيعة تتحدث وهي مترنحة على أريكتها، فيما زميلها يملأ أسماعنا قهقهة ونشازا.