كتاب "رائحة الجوّافة" الذي كان حواراً مطولاً مع الروائي الكولمبي الشهير؛ "غابرييل غارسيا ماركيز". الذي أجراه الصحفي، والروائي أيضاً؛ "بيلينيو أبوليو مندوزا". ونقله إلى العربية؛ "فكري بكر محمود"، يصلح مثالاً لأصدقائنا الصحافيين حين يقدمون على إجراء حوارات مع المؤلفين، إما بغرض نشرها في صحيفة أو كتاب أو غير ذلك. مثل هذا النموذج الحواري يشير إلى مقدرة وبراعة المحاور التي تستنطق الشخصية، وتمكن القارئ من العبور إلى تعقيدات وتشابكات عالمها، وبناء نسيجها النفسي والذهني والإبداعي، معتمداً على قراءة وافية لتجاربها ومتغيراتها، والتي من خلال كل هذا تأتي الأسئلة وطريقتها والتقاطاتها الذكية. مثل هذا النموذج كتابان حواريان آخران، يمكن العودة إليهما، أحدهما مع المفكر والشاعر العربي الكبير "أدونيس"، الذي أجراه صقر أبو فخر بعنوان "الطفولة، الشعر، المنفى" وصدر عن دار "أزمنة"، والكتاب الآخر كان مع الروائي الأرجنتيني "آرنيستو ساباتو"، وأجراه معه "كارلوس كاتيانا"، بعنوان "آرنيستو ساباتو بين الحرف والدم" ونقله إلى العربية؛ "عبدالسلام عقيل"، وصدر عن دار المدى. هذه الكتب الحوارية الثلاثة قد تمنح قارئيها مهارة اقتراح السؤال تلو الآخر، التي في مجموعها النهائي تكون قد قدمت صورة عميقة وموجزة عن الشخصية، بعيدة عن الصيغ المكرورة والسمجة، التي تملأ صحفنا ليل نهار. مهارة السؤال القائمة على اطلاع ومعرفة أصيلتين لا تقلان أهميةً ولا قيمةً عن إجابة الشخصية نفسها، بل إن كثيراً من مواضع الحوار نفسه تجعل نقطةً ما تلصق بالذاكرة هي نباهة السؤال ونفوذه.

إليكم هذا السؤال وإجابته، الذي اخترته عشوائياً. فتحت الصفحة 82 وأنقل هذا السؤال، الذي كان حول الرواية المعروفة "مائة عام من العزلة"، يسأل "بيلينيو": (يجب أن نفترض إذن أنه من خلال انعطافٍ حادٍ في المصير التاريخي، فإن أي شخصٍ يحارب الطغيان يواجه مخاطرة أن يتحول هو نفسه إلى مستبد عندما يتولى السلطة؟)، ويجيب ماركيز: (في "مائة عام من العزلة" قال أحد سجناء العقيد "أوريليانو بوينديا" له: "الأمر الذي يثير قلقي أنه من منطلق كراهيتك الشديدة للعسكر وقتالك الضاري ضدهم، وتفكيرك العميق فيهم، فقد انتهى بك المطاف بأن أصبحت مثلهم". وأضاف مختتماً حديثه: "وفي هذه الحالة فإنك ستصبح أكثر الحكام استبداداً ودمويةً في تاريخنا").