أرسلت إلى صاحبي، وأنا أعرف هوسه بشوارع الكون، ألبوماً من صور البؤس لشوارع دلهي وإسلام أباد، فأعاد لي بخبث ومكر ألبوماً آخر من شوارع حارتنا "المنسك"، وقد وضع عنوانه على الرابط: إن المدن تشابهت علينا، وإنا إن شاء الله.. لقادرون. ولولا ذاكرة العين البصرية مع المكان الذي أعيش فيه لزمن طويل لاختلطت عليّ الصور ما بين دلهي وبين "المنسك"، فصاحبي لم يقتل في نفسي زهو المقاربة والمقارنة، بل أيضاً زهو النرجسية والفوقية، فما هو الفارق بالفعل بين الألبومين؟ ولماذا "ريشة فوق الرأس" التي لم أعد أرى لها من سبب، وقد حكمت بيننا وبينهم مقاطع الصور؟ وعلى أقل الأثمان والأحوال فلن تحلم دلهي وإسلام أباد مجتمعتين بملايينها الأربعين بستة مليارات ريال هذا العام، يُقال إنها حجم مشاريع مدينتي التي لم ولن تبلغ بسكانها نصف مليون نسمة. في أسوأ الظروف، وفي كل الصور بالبرهان، تزهو مدينة مثل دلهي بأنك لن تستطيع فرز صورة واحدة بلا رصيف لعبور ملايين المشاة.. وأنا هنا بلا بلاطة واحدة في كل هذا الثلث الفسيح من مدينة تزهو بمشاريع ملياراتها الستة. وحين أمطرت بقسوة ذات صباح إسلام أبادي كنت أراقب شوارع المدينة التي لم تحتفظ بعد المطر الغزير بقطرة واحدة من الماء... بينما لا أشتكي في مدينتي الغالية مجرد شح السحاب، بل أيضاً آلاف الحفر رغم مليارات مدينتي الستة لعام... أجزم مرة أخرى أن دلهي لن تحلم بها في عقدها المقبل بسنواته المجتمعة.
انتهى عصر الجدري وزمنه من أوجه البشر ولله الحمد، ولكنه انتقل إلى شوارع المدن حتى أصبحت لنا مع كل حفرة ذاكرة بصرية تاريخية. الفارق المدهش بين عالمي البرجوازي وبين كلكتا أو روالبندي هو مجرد فارق المسافة ما بين صالون منزلي وبين بابي على الشارع العام... والفارق الآخر أنهم لو فرشوا شوارعنا بريالات مشاريعها المليارية لما بقي شبر واحد بلا غطاء.