لقد كان إعلان شركة "سما" عن تعليق جميع رحلاتها إلى أجل غير مسمى أمراً صادماً، ولكنه لم يكن مفاجئاً. وكانت أكثر جزئيات الإعلان صدمة هي تسريح ما يزيد عن خمسمائة موظف في وقت يتزايد فيه الحديث عن ارتفاع معدلات البطالة، علماً بأن حجم السوق السعودي والطلب المتزايد على خدمات النقل الجوي كفيل بخلق صناعة نقل جوي مربحة ومنافسة. ولكن بداية كل صناعة تحتاج إلى دعم وتنظيم تشريعات من الجهات المسؤولة لضمان التنافسية والتخطيط لبناء صناعة معتمدة على نفسها. ولم يحقق الدعم المباشر هذا الهدف، وإنما على العكس، فقد كان سبباً في فشل هذه الصناعة. فالناقل الوطني المتمثل في الخطوط السعودية مدعوم مادياً بشكل كبير من الدولة، وبالأخص عن طريق التخفيضات في أسعار الوقود الذي بات يشكل الجزء الأكبر من فاتورة التكاليف، سيما بعد الارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط. ولكن حتى مع هذا الدعم الكبير، لم تتمكن الخطوط السعودية من التحول من ناقل محلي إلى خطوط جوية إقليمية مثل بعض شركات الطيران الخليجية.
إن عدم تقديم نفس الدعم لسعر الوقود لشركات الطيران الجديدة أثر على قدرتها على الاستمرارية بسبب العجز عن تحقيق أرباح. فمع تحديد الحكومة لسقف أسعار التذاكر، تنعدم قدرة الناقل الجوي على تحديد هامش الربح المناسب. لذلك بدأ بعض المختصين في مجال النقل الجوي والجهات التنظيمية في الحديث عن تحرير أسعار التذاكر، الأمر الذي سيؤدي بالتأكيد إلى رفع أسعارها في حال إقراره. ولن تقدم سياسة تحرير أسعار التذاكر حلاً لمشكلات صناعة النقل الجوي. فعلى الرغم من أن هذه الخطوة تساعد في عكس التكاليف الحقيقية لخدمات النقل الجوي، إلا أنها تؤتي ثمارها بالشكل المأمول فقط في حال كانت صناعة النقل الجوي قائمة على أسس قوية ودون حاجة إلى أي شكل من أشكال الدعم المادي، بالإضافة إلى توافر بدائل نقل حقيقية منافسة، كشبكة قطارات متكاملة.
ويتمثل العامل الثاني الذي أدى إلى فشل "سما" في الخطوط الإلزامية العالية التكلفة والمنخفضة الربحية. فهذه الوجهات لا توفر لشركات الطيران أعداداً كافية من المسافرين تكفي لتغطية نفقات تشغيلها. إن إلزام شركات الطيران الاقتصادي بتشغيل هذه الخطوط ليس منطقياً على الإطلاق، فشركات الطيران تطلب طائرات صغيرة لخدمة أعداد محدودة من الركاب، فيما تعتمد شركات الطيران الاقتصادي على إركاب أكبر عدد من المسافرين بأقل التكاليف. لقد جاء الطيران الاقتصادي ليعمل جنباً إلى جنب مع شركات الخطوط التقليدية، وليس لتحمل وجهات سفر ذات كثافة مسافرين منخفضة. وهذه الوجهات غير ناضجة بالشكل المطلوب لدفعها إلى القطاع الخاص، ولذلك فمن الأمثل أن تبقى تحت رعاية الحكومة حتى يتم تطوير استراتيجية نقل خاصة بها، حتى لا تقتل فرص خلق صناعة جوية قوية.