انعقد لقاء الخطاب الثقافي الثامن الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني مؤخرا في جدة تحت عنوان "التصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية"، حيث ناقش اللقاء من خلال عدد من المحاور فكرة التصنيفات الفكرية في المجتمع السعودي وكونها سلبية أم إيجابية وتأثيرها على السلم الاجتماعي، وكذلك كيفية تعزيز الوحدة الوطنية في ظل وجود مثل هذه التصنيفات الفكرية في المجتمع. وتأتي أهمية مثل هذا اللقاء في ظل ما باتت تواجهه مجتمعاتنا بعد الربيع العربي من انقسام اجتماعي قائم على الاختلافات الفكرية بين التيارات وخاصة الإسلامية والليبرالية، لقد أصبحت مسألة التصنيفات اليوم في مجتمعاتنا تلقائية فيكفي وصم أحد ما بأنه "سلفي" أو "ليبرالي" على سبيل المثال لأخذ موقف مسبق منه اعتمادا على الموقف العام من التيار الفكري الذي يتقبله أو يرفضه الشخص.
أغلب المجتمعون في اللقاء أقروا أن الاختلاف الفكري أمر إيجابي في المجتمعات وجزء من ثرائها، وهو كذلك، ولكن هل التصنيف الفكري جزء من هذا الثراء أم لا؟ قد يكون الأمر صحيحا إذا كان التصنيف محصورا على سبيل المثال في الجامعات لغرض الدراسة والنقد، فكل المفكرين بصورة أو أخرى يتم تصنيفهم فكريا لتسهيل دراسة أفكارهم وآرائهم ورصد مدارسهم. لكن واقع الأمر أن مجتمعنا يصنف الآخر فكريا لغرض الإقصاء ولغرض رسم دوائر يضع المرء نفسه داخلها ومن على شاكلته ويضع خارجها من يتعارض معه فكريا. ذلك أن التصنيف الفكري في مجتمعنا لا يقف عند حدود تبيان الفروق الفكرية فقط، وإنما يتعداها ليصبح له انعكاس ونفع سياسي، وتأثير مهم على سير الدولة والمجتمع. ورغم أن اللقاء كان لمناقشة التصنيفات الفكرية، كان من اللافت أن المجتمعين لم يناقشوا على سبيل المثال التصنيفات الفكرية الاقتصادية بين الرأسماليين والاشتراكيين في مجتمعنا مثلا، وكأن هذا الأمر ليس له أهمية، وقد يكون كذلك، فتركيز المشاركين على فكرة التصنيفات الفكرية السياسية يدل أن مسألة التصنيف الفكري جزء من أزمة أوسع، تتعلق بالدولة ككل ولا تقف عند حدود التصنيف بحد ذاته. إن أزمة التصنيف الفكري لدينا تتعلق بالانعكاس السياسي للتصنيف، وليس بالتصنيف نفسه أو آثاره على المجتمع.
أزمة الاختلاف الفكري لدينا تبدأ من فكرة الدولة، فأغلب التيارات الفكرية لدينا للأسف متجاوزة لمفهوم الدولة الوطنية، إما: تحت مستوى الدولة من خلال الركون للقبيلة أو المنطقة على حساب الدولة، أو فوق مستوى الدولة بالركون لفكرة الأممية الإسلامية على حساب الدولة.
كيف تكون لدينا دولة وطنية، وهناك تيارات ترى أن بعض أبناء نفس الوطن كافرين، أو تيارات ترى أنها أقرب لآخرين خارج الدولة من أبناء الوطن نفسه، فقط لأنهم ينتمون للتيار الفكري نفسه. هذه معضلة حقيقية تبين أن التصنيف الفكري ليس سوى النافذة التي تكشف لنا عوار مفهوم الدولة الوطنية في مجتمعنا، فاختلاف التيارات الفكرية لدينا قائم في الأساس على صراع من أجل رسم الدولة بالمنظور الذي يراه كل تيار، وهنا الانعكاس السلبي الحقيقي لمسألة التصنيف. يكفي النظر للاختلاف القائم بين أبناء التيار "السلفي" والتصنيف الحاد الذي يدور اليوم بين ما يطلق عليه "الجامية" و"السرورية"، ليتبين أن مسألة التصنيف الفكري هي في واقع الأمر غطاء لصراع سياسي أوسع يدور حول محاولة كل تيار رسم الدولة بالمفهوم الذي يراه لها، لا مجرد التصنيف لغرض تبيان الفوارق.
لو أن الدولة الوطنية هي المظلة التي يستظل بها الجميع، لما كان للتصنيفات الفكرية أي أثر سلبي على السلم الاجتماعي، فالانتماء الوطني يصبح هنا سابقا لأي انتماء فكري آخر. واقع الأمر أن الانتماء لمفهوم الدولة الوطنية - أو القومية كما في أدبيات السياسة (National State) لا يزال ضعيفا، وقد كشف استبيان لمؤسسة غالوب في عام 2004 على امتداد العالم العربي أن معظم مواطني الدول العربية باستثناء مصر ولبنان - فقط - يعرفون أنفسهم بأنهم مسلمون أو عرب في المقام الأول، قبل أن يعرفوا أنفسهم بأنهم مواطنون لدولتهم. في مصر ولبنان فقط كان أكثر من 50? من مواطني هاتين الدولتين يجعلون من انتمائهم الوطني المحدد الأول لهويتهم، قبل أي انتماء آخر، وهو ما يوضح رسوخ مفهوم الوطن لديهم كهوية جامعة لأبنائه (الوطن هنا كبقعة جغرافية لها تاريخ وهوية محددة وجامعة) وهذا هو الأمر الذي ما نزال نفتقده في المملكة.
في ظل غياب مفهوم الدولة الوطنية، سوف يعود كل شخص لمرجعيته الفكرية للاحتماء؛ لأن الدولة لا تجمعنا، وتصبح المرجعية الفكرية سابقة على الانتماء الوطني كون الوطن لا يعني شيئا هنا. إذن يصبح أثر التصنيف الفكري سلبيا على الوحدة الوطنية، لكون مفهوم الوحدة الوطنية في حد ذاته ضعيفا، ولا يعني شيئا سوى التوفيق بين تيارات مختلفة ومتصارعة بدلا من كونه نقطة الانطلاق للجميع.
إن الدولة تتحمل هنا جزءا كبيرا من المسؤولية، كونها أسهمت بشكل غير مباشر في تعزيز الصراع أو المنافسة بين التيارات، بدلا من تعزيز الوحدة الوطنية من خلال اتباع مبدأ المحاصصة بينهم في اتخاذ القرارات أو تعطيلها إرضاء لتيار معين هنا أو هناك، وهو ما جعل كل تيار يرى أن التشدد لأفكاره سوف يصب في مصلحته من خلال الحصول على منافع سياسية من الدولة. هذا الأمر يطرح أهمية وضوح مفهوم "المصلحة الوطنية" كنقطة انطلاق في اتخاذ القرارات مما يعزز الوحدة الوطنية بدلا من نظام المحاصصة والتنافس بين التيارات القائم اليوم. فعلى سبيل المثال هل كانت مسائل مثل عمل المرأة أو قيادتها أو غيرها من المسائل، لتثير كل ما أثارته لو أن نقطة الانطلاق في مناقشتها هي المصلحة الوطنية العامة، بدلا من مسألة كونها تتوافق مع وضع المجتمع أو قبول التيارات المختلفة لها؟!
إن التيارات الفكرية المختلفة تتمترس خلف أفكارها وتصنيفاتها لنفسها ولغيرها، لكون التصنيف يحميها ويجعلها تحصل على مكاسب سياسية من الدولة، مما يجعل التصنيف أداة للنفع السياسي. إن قرارات الدولة يجب أن تنطلق من منطلق المصلحة الوطنية للدولة، ولو أن مفهوم الدولة الوطنية لدينا راسخ ومتجذر لما كان للتصنيفات الفكرية أي أثر يستدعي أن نناقشه. ولو أن المصلحة الوطنية هي العنوان العريض الذي يجمعنا، لما كنا سنواجه اختلافا مثل الاختلاف الذي نواجهه عند كل قرار ومنعطف في مسيرة الدولة.
إن عنوان اللقاء: "التصنيفات الفكرية وأثرها على الوحدة الوطنية"، كاشف إلى حد كبير عن مدى أزمتنا الحقيقية، وهي أننا نرى وحدتنا الوطنية مهددة عند كل منعطف ذلك أننا إلى الآن لا نزال نفتقد مفهوم الدولة الوطنية، ولا نزال نرى وطننا إلى الآن وسيلة لشيء ما، وليس غاية في حد ذاته، بسبب الأسلوب القديم للمحاصصة بين التيارات وربط المصلحة الوطنية بهذا الأمر بدلا من كونها - أي المصلحة الوطنية - سابقة على التيارات ومتجاورة لهم.