قلنا مراراً لأصحاب الفضيلة المناط بهم مهمة تحديد بدايات ونهايات الأشهر المرتبطة بالعبادات، إن الأمور لن تستقيم إذا استمر التمسك بالرؤية البصرية التي تحتمل الخطأ والصواب ولم يؤخذ بالرؤية المجازية التي تأتي من العلم اليقيني الذي توفره حسابات علم الفلك الدقيقة.
وطننا الآن يتحمل مسؤولية كبرى، وهو في الضوء الساطع أمام كافة المجتمعات الإسلامية في كل مكان، بعد التطور الكبير في الاتصالات وبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، فالمملكة نتيجة لكل ذلك لم تعد فقط هي قبلة العبادة للمسلمين في كافة أنحاء الأرض، بل أصبحت كذلك قبلتهم في مختلف الشؤون الدينية الأخرى، وتأتي الحساسية والأهمية والمسؤولية الكبرى والارتباك الكبير من تحديد بدايات ونهايات الأشهر المرتبطة بالعبادات، لأن غالبية الدول والمجتمعات الإسلامية تأخذ الآن بالحسابات الفلكية بالنسبة لكثير من أمورها المرتبطة بالتواريخ اليومية والشهرية، وتعتبر ما تقدمه تلك الحسابات علماً يقيناً لا يحتمل الخطأ، وقد أصبح هذا عندها الآن أمراً مفروغاً منه، ولهذا فإن تلك المجتمعات الإسلامية تكون في حالة ارتباك يوم التاسع والعشرين من شعبان على وجه الخصوص، لأنها من جهة مقتنعة بالعلم اليقيني الذي يوفره علم الفلك وفي الوقت نفسه تريد أن تنتظر ما تحدده قبلتها التي هي المملكة التي لا تأخذ بمسلمات علم الفلك وتعتمد في التحديد على الرؤية البصرية التي تحتمل الخطأ والصواب، ونتيجة لهذا يحصل الاختلاف بين ما تحدده المملكة وما هو معلوم بشكل يقيني من الحسابات الفلكية فيحصل نتيجة لهذا الارتباك والجدل والحرج وتتعرض المملكة للانتقادات وللسخرية والتجهيل في بعض الأحيان.
لقد استنتجت من تصريح رئيس مدينة الملك عبدالعزيز الدكتور السويل الذي كتبت عنه يوم الأربعاء الماضي أن الجهات الشرعية في المملكة ربما تكون قد بدأت تعير الحساب الفلكي بعض الأهمية وتضعه ضمن الأمور التي تسترشد بها في عملية تحري رؤية الهلال، ولكن من الواضح – في رأيي – أنها مازالت تعتبر الرؤية البصرية هي الرؤية الشرعية التي يركن إليها في تحديد بدايات الأشهر، ومازالت لا تأبه كثيراً بعلم الفلك الذي يقدم العلم اليقيني، ولهذا فعندما تقدم الحسابات الفلكية العلم اليقيني بأن القمر سيغرب قبل الشمس في التاسع والعشرين وأنه لهذا لن يكون له وجود في الأفق بعد غياب الشمس فإنها (أي الجهات الشرعية عندنا) لا تأخذ بذلك، بل تطلب على الرغم من هذا ترائي الهلال في ذلك اليوم، ولأنها ستطلب الترائي في التاسع والعشرين من رمضان الحالي الذي سيغرب الهلال فيه قبل الشمس فلكيا فمن المؤكد أنها ستقبل نتيجة هذا الترائي ولن تزده، إذ ليس من المعقول أن تطلب الترائي ولا تقبل به إذا (توفرت فيه شروطها)، أي أنها قد تأخذ في ذلك اليوم برؤية بصرية خُيّل لها أنها رأت الهلال كما حصل في أعوام سابقة فتحصل الضجة في المجتمعات الإسلامية وتقع المملكة في حرج شديد.
إن أنصاف الحلول لا تحل الإشكالات العادية فكيف بالإشكالات الكبرى؟، ومع ذلك فليت أن ما استنتجته من تصريح الدكتور السويل أن العمل سيكون بأنصاف الحلول، فالذي استنتجته أقل من هذا، فالرؤية المجازية التي توفرها الحسابات اليقينية لعلم الفلك ستكون مستبعدة وسيظل الاعتماد على الرؤية البصرية التي قد تكون خاطئة وتضعنا في حرج كبير أمام العالم الإسلامي كما حصل في الأعوام السابقة.
حتى على افتراض أن الجهات الشرعية قد تحاول رد الرؤية البصرية إذا اقترنت بما يبطلها من علم الفلك اليقيني، وهو الرأي الذي يردده الشيخ عبدالله بن منيع كثيراً، فإن ذلك لن يستقيم في ظل طلبها ترائي الهلال في اليوم التاسع والعشرين من الشهر إذا كان علم الفلك يقرر غياب الهلال قبل الشمس في ذلك اليوم، إذا ليس من المعقول – كما ذكرت – أن تطلب تلك الجهات الشرعية ترائي الهلال في ذلك اليوم ثم ترد نتيجة هذا الترائي، ولذلك فإن الإشكال لا يمكن حسمه إلا باعتماد الرؤية المجازية التي يوفرها العلم اليقيني للحسابات الفلكية.
إنني أرى أن الإصرار على أن المقصود بالرؤية في الحديث الشريف (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.. إلخ) هي الرؤية البصرية، أمر يتناقض مع مفهوم أجهزتنا الشرعية لمفهوم الرؤية في الحديث الشريف الآخر (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده... إلخ) فأصحاب الفضيلة في جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما يبدو لي – يعتبرون الرؤية المجازية الناتجة عن العلم اليقيني هي الرؤية المقصودة في الحديث، ولذلك يداهمون الاستراحات وبعض البيوت لتغيير المنكرات التي لم يروها ولكن جاءهم العلم اليقيني بوجودها، بل أخشى أنهم يفتقرون حتى إلى العلم اليقيني ويعتمدون على الظنون، ومن هذه الظنون ما يقومون به من مداهمات لبعض المطاعم واستجوابات لبعض الأسر ليتأكدوا من عدم وجود المنكر، وهذا المفهوم لرؤية المنكر لا يقتصر على أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل إني سمعت سماحة المفتي يقول في برنامج للإفتاء في قناة المجد ما فهمت منه أن العلم اليقيني بالمنكر يعتبر رؤية تبرر السعي لإنكاره باليد من قبل أعضاء الهيئة.
فيا أصحاب الفضيلة طالما أنكم تجيزون الاعتماد على الرؤية المجازية التي يؤكدها العلم اليقيني في تغيير المنكر فلماذا لا تجيزون الاعتماد على الرؤية المجازية التي توفرها الحسابات الفلكية في تحديد مكان الهلال في الأفق، مع أن الرؤية الواردة في حديث الصيام أولى بأن تكون مجازية من الرؤية الواردة في حديث تغيير المنكر، فـ(صوموا لرؤيته.. إلخ) موجه للجماعة الذين لا يمكن أن يروا جمعاً الهلال بأبصارهم، بل ولا حتى عدد قليل منهم، في حين أن ((من رأى منكم منكراً... إلخ)) موجه للفرد الذي يفترض أن تكون رؤيته بصرية لسهولة هذا.