يطلب مني الصديق العزيز، الكاتب، فهد عامر الأحمدي، وساطتي لدى الصديقين الآخرين، تركي الدخيل وعبده خال شراكة الكتابة في إصدار كتاب عن "اليابان بعيون عربية"، على أن يتولى صديقنا المشترك الدكتور عثمان الصيني، مهمة رئاسة الفريق وإدارة فكرة هذه المهمة البحثية من الحرف الأول إلى ولادة النور. قلت فوراً لـ"ابن بطوطة الأحمدي"، إن المهمة شاقة ومستحيلة لسببين: الأول، لأن عشرة أيام من حياتنا في اليابان لا تستطيع أن تعطينا فهماً وافياً وشاملاً عن "نقد العقل الياباني" ودراسة وتفكيك كل المسببات والظروف التي أخذت هذا "اليابان" من براثن الهزيمة العسكرية في حرب الكون الثانية إلى صدارة الانتصار المذهل في عوالم التقنية، ما جعلنا نحن المرشحين الخمسة لكتابة "اليابان بعيون العرب" غرباء في فهم حتى أبسط مفاتيح هذه التقنية لكي نعيش ونتعايش مع مدنية يابانية.
قلت للصديق العزيز، فهد الأحمدي، ثانياً، إن المسافة ما بين العقل العربي وبين العقل "الياباني" أصبحت شاسعة للدرجة التي أصبح فيها من الاستحالة لعقل عربي أن يفهم طبيعة حياة الياباني في عقيدة "العمل" وتنافسية الإنتاج.. قلت له بكل الاختصار: أعتذر تماماً لأنني.. عقل روائي.. مهووس بالكلمة والتعبير والإنشاء، بينما "الياباني" عقول تقنية.. مهووسة بالماكينة وشرائح "الميكروتشبس"، وهنا الفارق في "نقد العقل" ما بين عالمين. قلت له مازحاً.. جاداً.. إن "العقل العربي" بات اليوم أصغر وأدنى من أن يكتب "اليابان بعيون عربية"..
كنت قد وعدتكم سابقاً بكتابة تجربتي عن زيارة مدرسة يابانية، وهو "روتين" أفعله كلما زرت دولة جديدة ومجتمعاً جديداً... أن أزور مدرسة، وهو ما فعلت.. هنا ما زلت مؤمناً أن ذلك الصباح في مدرسة يابانية ثانوية هو أفضل وأنقى ما يمكن لي أن أكتبه عن انطباعات زائر أجنبي إلى اليابان "بعيون عربية". وصلت للمدرسة على أطراف "طوكيو" ومشارف "يوكوهاما" عند الثامنة صباحاً ذات مناخ شتوي قارس البرودة. كانت الثلوج البيضاء تغطي ساحة طابور المدرسة وهنا يبدأ أول انطباعات "اليابان بعيون عربية": كان الطلاب يصلون إلى المدرسة وكأنهم يصلون إلى طابور عسكري لأن فناء المدرسة مرسوم بنقاط بيضاء على "الإسفلت الأسود"، وكل طالب ياباني يأخذ "نقطته" البيضاء "المرقومة"، ونهاية كل شهر يعرف كل طالب نسبة حضوره المبكر أو المتأخر إلى طابور المدرسة. ومن المفارقة في أجواء هذا الطقس المثلج أن "ناظر المدرسة" يشرح لي قصة غياب ثلاثة طلاب، فقط، في أيام فبراير، وكيف لي أن أشرح لكم كيف ألبسوني "الكمامات" وأنا أدخل إلى فصل دراسي "معزول" لطلاب مصابين بإنفلونزا "الكوهيتو" التي تنتشر في اليابان في فصل الشتاء، وكيف يحمل كل طالب من هذا الفصل المعزول "ختماً" على الجبهة بأنه "كوهيتو"، لتحذير كل زملائه من المدرسة من الاقتراب إليه.
وكل القصة تكمن في أنني لم أزر مدرسة ثانوية، فأنا لم أشاهد منهجاً دراسياً أو معلمين أو فصولاً مدرسية. كل ما شاهدته عشرات الورش الميكانيكية ومئات "الحواسيب" التي لم أفهمها ولم أعرف طبيعة الزحام إلى فك رموزها من عشرات الطلاب اليابانيين الذين كانوا يتجادلون بكل الحرية إلى شاشة الحاسوب الواحد. تقول لي "ناظرة المدرسة" بعيد هذا الزحام التقني المذهل: نحن نشتكي في هذه المدرسة أننا أسرى وأولياء لتقنية شركة يابانية واحدة محددة، ومع هذا فنحن لسنا متلقين على هذا التوجه لأن هذه المدرسة الثانوية قد أعطت الفكرة الأولى لولادة تقنية سيارة "لكزس"، ومن هذه المدرسة بالتحديد ولد الاسم لهذه السيارة حتى ولو كان باسم "إنجليزي"، وكل ما في الأمر أن هؤلاء الشباب الصغار يواصلون اليوم تفاصيل الماركة والاسم والمنجز.
خرجت من المدرسة الثانوية اليابانية وأنا أحلم بالعودة إلى وطني.. شوقاً.. وحباً، وأيضاً كي أقود سيارتي التي ولد اسمها في هذه المدرسة.