تعد "الترقيات" في الجهات الحكومية من أهم الحوافز على الإطلاق بالنسبة للموظفين، فهي تشتمل على الحافز المادي المتمثل في زيادة الرواتب والمكافآت، بالإضافة إلى الحافز المعنوي حيث يعتبرها الموظف تقديراً له ولجهوده من قبل الإدارة، وحافزاً للوصول إلى المراتب العليا لما لها من هيبة ومكانة اجتماعية بين الناس.

ومن القضايا التي تثار حول الترقيات، قضية الجمود الوظيفي، وكذلك وجود المحاباة والواسطة لبعض الموظفين، وترقية غير الأكفاء منهم، كما أنها تعتمد على معيار الأقدمية ولا تأخذ في الاعتبار مبدأ الجدارة، ناهيك عن أن الموظف سوف يترقى إلى وظيفة أعلى بمجرد تحقيق شرط البقاء في وظيفته الحالية مدة زمنية معينة، وبالتالي المساواة بين الموظف المجد والموظف الكسول عند الترقية.

السلبيات السابقة للترقيات تكاد تكون هي النظرة السائدة لكثير من الموظفين والمختصين في هذا المجال، وللأسف فإن البحوث والدراسات تتناول هذه القضايا بشيء من المثالية ومن الناحية النظرية فقط بدلاً من الاهتمام بتقديم معلومات ميدانية تعكس واقع الترقيات في بعض الجهات الحكومية.

فعلى الرغم من أن نظام الخدمة المدنية في المملكة يأخذ في الاعتبار سياسة الأقدمية وسياسة الجدارة معاً، وهناك معايير للمفاضلة مثل المؤهل العلمي وتقويم الأداء الوظيفي والتدريب، إلا أن واقع الترقيات يقول إنها تستند على المعايير الشخصية في بعض الجهات الحكومية، الأمر الذي أدّى إلى وجود موظفين غير أكفاء في مناصب قيادية مهمة لا يستحقونها.

أما عن الكيفية التي استطاع البعض من خلالها القفز فوق الأنظمة واللوائح في مسألة الترقيات، فهي كالتالي:

أولاً/ حجب الوظائف الشاغرة عن الموظفين في الجهة، ومن هنا قد يتم خداع الموظفين بالقول بعدم وجود وظيفة شاغرة أو أن الوظيفة المرقى إليها قد تكون في منطقة أخرى لفرع الجهة، وعليه يتم إضافة شرط للترقية مقتضاه تقدم المرشح بطلب أو تعهد يوافق فيه على العمل خارج المدينة التي يعمل بها قبل ترشيحه، وإلا تخطته الإدارة فيها.

ثانياً/ بالنسبة للمراتب الوظيفية من العاشرة فما دون، فتكون الترقية عن طريق المفاضلة على ضوء عدد من العناصر ممثلة في التدريب والمؤهل العلمي وتقويم الأداء الوظيفي، والأقدمية، ولكل عنصر نقاط معينة يتم على أساسها المفاضلة بين الموظفين.

وجميع العناصر السابقة ما عدا (المؤهل العلمي) وإن كان في بعض الأحيان يتم إعطاء فرصة الابتعاث الخارجي للمقربين من المدير للحصول على مؤهل أعلى أو منح تسهيلات لهم للحصول على المؤهل المطلوب، أما باقي العناصر فهي تخضع للأسف الشديد للتقدير الشخصي للمدير أو الرئيس الإداري، بالرغم من وجود لوائح تنظيمية لها، منها على سبيل المثال لائحة التدريب، ولائحة تقويم الأداء الوظيفي.

فنظراً لعدم وجود شفافية في الترشيح للدورات التدريبية ناهيك عن عدم وجود خطة حقيقية للاحتياجات التدريبية، وغالبية الموظفين ليس لهم علم بالبرامج التدريبية الموجودة في الأساس، فإن الدورات تكون في الغالب للمقربين والخاضعين للمدير أو الرئيس، أما التقويم الوظيفي لأداء الموظف فهو يعتمد على التقدير الشخصي ومدى رضا المدير عن الموظف وكثيراً ما يتم التلاعب به.

ثالثاً/ في بعض الجهات الحكومية ومن حسن نية أو بسبب ضعف الإدارة فإن اعتبارات الترقية بالنسبة للمراتب العاشرة فما دون تكون على أساس الأقدمية فقط الأمر الذي يؤدي إلى قتل الحافز لدى الموظفين وتجاهل عنصري الجدارة والكفاءة بين الموظفين.

رابعاً/ بالنسبة للترقية للمراتب من الحادية عشر إلى الثالثة عشر، فهذه المراتب تعتبر من الوظائف القيادية الوسطى، وحسب مواد اللائحة فإن الوزير المختص أو رئيس المصلحة المستقلة يقوم بتشكيل لجنة موقتة يختارها من كبار الموظفين كلما دعت الحاجة إلى شغل أي من الوظائف الشاغرة المعتمدة في المراتب (11، 12، 13)، ويعد فريق العمل تقريراً بذلك يتم عرضه على الوزير المختص لاختيار من يراه من المرشحين.

ويرى بعض الباحثين أن من سلبيات هذه السياسة أنها "لم تحدد آلية المفاضلة بين المرشحين".. فإذا "كان معظم المرشحين حاصلين على درجة ممتاز في آخر سنتين فمن هو الأفضل؟".

بالإضافة إلى ما سبق، فإن نظم الترقيات بشكل عام وإن كانت ترتكز على مبدأ الجدارة نظرياً إلا أنها تتجاهل مدى أهلية الموظف المرشح للترقية لشغل الوظيفة القيادية، فوفقاً لمبدأ "بيتر" في الإدارة، فإن للتقادم الزمني أثرا على تناقص كفاءة القيادين.

فحسب رأي "لورنس بيتر" هناك "فئة من الموظفين يبدؤون حياتهم الوظيفية بكفاءة عالية، ولكن مع تقدمهم في سلم الترقيات وصعودهم لوظائف جديدة يجدون أنفسهم وفي وقت من الأوقات، أنهم لم يحافظوا على ذلك المستوى من الكفاءة والتميز"، ويرى أيضاً أن مثل هذه الترقيات "بمثابة الفخ الذي يعجل بوصول الموظفين الأكفاء إلى ختامهم الوظيفي"، وهذا بسبب "القفز وحرق المراحل وحرصهم على تولي وظائف عليا قبل أن يؤهلوا أنفسهم إليها أو تكتمل وتنضج خبراتهم عبر التدرج الطبيعي للتقنيات".

ومبدأ "بيتر" في الحقيقة يفسر لنا واقع بعض ممن يصلون للوظائف القيادية عن طريق العلاقات والوساطات، وفي بعض الجهات الحكومية تضيق ذرعاً بأمثال هؤلاء الموظفين فتضطر إلى ترقيتهم إلى مناصب أعلى للأسف الشديد.

لاشك أن الترقية تعد هدفاً وحافزاً رئيساً لمعظم الموظفين كما ذكرت آنفاً، وواقع بعض الجهات الحكومية يشير إلى كثرة محدودي ومعدومي الكفاءة في المناصب القيادية، الذين يحرصون على البقاء في مواقعهم ويخافون من المستقبل الذي ينتظرهم الأمر الذي يستلزم النظر في التوسع في المسابقات الوظيفية وإجراء اختبارات علنية للموظفين سواء من داخل الجهة أو خارجها، مع إلزام الجهات بسجل الإنجازات الوظيفي عند تقويم الأداء والشفافية في التعامل مع الموظفين.