بعد رحيله في يناير 2009 أحيى مايكل جاكسون صالات السينما الأميركية من خلال الفيلم الوثائقي الوصية "This Is It" بدلا من أن يحيي حفلته الموعودة في لندن. الفيلم خصيصا وتحديدا كان عن بروفات واستعدادات ملك البوب لتلك الحفلة التي لم تتم في لندن. الفيلم هو رصد للحظات مهمة استعدادية لإقامة حفل خرافي في العاصمة البريطانية. في البداية يستقبل المنظمون عددا كبيرا من الراقصات والراقصين في مسابقة لمشاركة جاكسون في المسرح. راقب جاكسون الاختبارات والتمارين واختار مجموعة من الشباب والشابات ليشاركوا في أدوار غنائية وراقصة وتمثيلية.
كان التخطيط أن يحتوي الحفل على عدد من المشاهد واللوحات والصور التمثيلية، التي تتناسب مع أغان كان سيقدمها جاكسون، مثل أغنية تدعو للحفاظ على البيئة وأخرى تتحدث عن السلام. من الكواليس والعمل والاستعدادات يتضح أن الخطة كانت إقامة حفل استثنائي لا ينسى كما هي عادة طموحات ملك البوب وملهم الملايين. كان مايكل جاكسون متوهجا على المسرح، نشيطا وحيويا، مفعما بالحماسة وأحيانا نزقا متوترا لكنه في كل الأحوال كان فنانا بمعنى الكلمة. يبدو أن هذه الحفلة لم تكن عادية أيضا لجاكسون؛ بمعنى أنه كان يترقّب منها كثيرا، ففي مارس 2009 أعلن مايكل عن سلسلة من الحفلات تحت شعار That is it ستكون الأكبر والأوسع بعد آخر جولة عالمية له في 1997. هناك من مغامري التنبؤات من يرى أن عنوان الحفلة "هذه هي"، يشير إلى نيّة جاكسون الاعتزال أو الظهور العام، وهو الذي عاني كثيرا من مطاردات الإعلاميين والإشاعات والقضايا في المحاكم. في كل الأحوال كان العنوان يشير إلى نهاية ما وهذا ما تحقق.
ما هي أهم اللقطات التي يمكن أن تلتقطها كاميرا المخرج للفنان الغنائي؟ برأيي أن اللقطات الحقيقية هي اللحظات الفنية، اللحظات التي يبدع فيها الفنان فنا. لحظات خلق الجملة الموسيقية والإبداع الصوتي. هل يمكن أن نرصد ولادة الجملة الفنية؟ هل يمكن أن نلتقطها وهي تلقى الرقيقة التي سرعان ما تتلاشى وتختفي؟ لحظة الولادة الفنية هي برأيي أهم اللحظات التي يمكن أن ترصدها كاميرا المخرج السينمائي فهل استطاع كيني أورتيجا، مخرج العمل تحقيق شيء من هذا؟ نلاحظ هنا أن الكاميرا ستكون عاملا مؤثرا في العملية، بمعنى أن وجود الكاميرا قد يربك الفنان ويسرق تركيزه على اللحظة الإبداعية، قد يدخل عناصر جديدة في المعادلة تفسد كل العمل، أو أن هذه الكاميرا قد تجلب معها شعورا عميقا بوجود المستمعين والجماهير، مما قد يشعل روح الإبداع داخل الفنان، الأكيد أنها مغامرة من الصعب التنبؤ بنتائجها.
اعتقد أن كيني أورتيجا مخرج العمل استطاع تحقيق شيء من هذا، فمن خلال التسجيلات المطولة التي تابعت فيها الكاميرا جاكسون في كواليس الحفل، استطاع المخرج العثور على لحظات عديدة، لحظات تأمل توقف فيها جاكسون أمام العازفين يريد أن يشرح لهم الموسيقى التي في داخله، كانت الكلمات تخونه فكيف تتحول الأنغام إلى كلام؟ كان الموسيقيون يشعرون أحيانا بالعجز وضياع الحيلة أمام رغبات مايكل، وهم رفقاء دربه والخبراء بموسيقاه. لكنهم كانوا صبورين جدا، كان يعطون الفنان كل الوقت الذي يحتاجه، يتحملون مقاطعاته وغرقه في ذاته، محاولات متكررة للوصول إلى النغمة التي تتردد في جسد ملك البوب.
كان معدا أن يغني كل من في المكان، الفنان والموسيقيون والكاميرا والصورة والأجساد والجمهور، كان الهدف هو الحصول على أغنية كاملة أغنية يغنيها الجميع. في لحظات كثيرة ظهر شغف جاكسون بالمسرح بالمساحة الكبيرة التي تجعله في إطار الإبداع، من الواضح أن سنين وتاريخا طويلا حضرت مع مايكل على المسرح لذا كان سعيدا مبتهجا بالحضور، كان مايكل مشتاقا للحضور، بعد كثير من الغياب والتعب، بدا جسد مايكل راقصا منتشيا ولكن روحه كانت هي الراقص الحقيقي.
حقق الفيلم أرباحا هائلة في شباك التذاكر كما حصل على تقييمات عالية من النقّاد والمتابعين. الفيلم أنتج بسرعة ليخرج للناس في أجواء مفاجئة موت جاكسون وهو في أوائل الخمسينات من عمره. الحضور الجماهيري الهائل يعكس علاقة مهمة بين الناس والفنان. رغم كثير من الغموض والإشاعات والغرابة التي أحاطت بحياة جاكسون إلا أن الناس لم تنس أنه أسعدهم في يوم من الأيام بموسيقاه. لدينا اليوم جيل كبير من البشر ارتبطت لحظاتهم الفاخرة ورقصت أجسادهم بأغاني هذا الإنسان. جاكسون هنا لم يعد فنانا يغني فقط بقدر ما أصبح جزءا من تجربة وذكريات وحياة كثير من الناس. الفنان هنا هو شريك في حياة كثير من الناس وكأنه أصبح جزءا منهم، وغيابه يلامس هذه المنطقة العميقة جدا في وجدان كل منهم. شخصيا عشت هذه التجربة في صيف 2000 في مسرح المفتاحة حين رحل أمام الجميع طلال مداح، محتضنا عوده ومنهيا حياته بموال بديع. حالة الدهشة والفقد كانت بادية على الجميع. لا أنسى عويل أحد الحضور في المقاعد العلوية يصرخ "لا ترحل يا طلال" ولكن طلال رحل وجاكسون رحل ولكن ليس من قلوب محبيهم بالتأكيد.