في عصر انفجار المعلومات، وسهولة وصول الشباب إلى كثير من الكتب من خلال قنوات مختلفة، ما زال هناك من يعتقد بضرورة ضبط الشباب في اختيار الكتب التي يقرؤونها، خاصةً كتب "أهل الزيغ والضلال"، لحماية عقائدهم من خطر الانحراف!.
وهذا المنع لا يمتد فقط لكتب الآخرين، بل حتى الكتب المعتبرة عند علماء المسلمين والتي تعد جزءا من التراث الإسلامي، ومع ذلك لا يجيزون قراءتها للشباب، بحجة أن هؤلاء يجب أن يمروا بمرحلة معينة، ثم يسمح لهم بقراءة تلك الكتب فيما لو ملكوا الأهلية لذلك!.
وقد يعترض هنا معترض ويقول: "قبل أن نتهم الدعاة بمنع الشباب من قراءة الكتب، فإن المجتمع يعاني من قلة إقبال الشباب على القراءة في الأساس، كما في كل مجتمع في العالم ثمة حدود بما يتصل بالإنتاج الفكري عموماً ويصعب أن نجد مجتمعاً يسمح فيه بكل شيء متصور وممكن، والمجتمع السعودي كغيره من المجتمعات البشرية يخضع للتقاليد والقيم والأعراف، والمنع موجود في كل المجتمعات ولكل شيء حدود".
والسؤال المطروح هنا: ما هذه الحدود؟، فكما ذكرت آنفاً فنحن نعيش في عصر الانفتاح المعلوماتي، فلو تم منع أي كتاب أو التحذير من قراءته، بحجة أنه مضر وغير مناسب للشباب، فإنهم يستطيعون الوصول إليه بطرق أخرى مختلفة وبشكل غير قانوني، وليس هذا فحسب، بل إن هذا التحذير يعد بمثابة دعاية غير مدفوعة الثمن لهذا الكتاب يغري الشباب في الحرص على اقتنائه.
الأمر الآخر، إذا كنا نشتكي من مشكلة ضعف القراءة لدى الشباب، فإن أحد الأسباب الرئيسية لهذه المشكلة في رأيي هو التخويف والترهيب من قراءة الكتاب، بالإضافة إلى قتل روح حب الاطلاع والمعرفة في النفس البشرية، الأمر الذي أدّى إلى العزوف عن القراءة خشية الانحراف وربما خشية الوقوع في الإثم عند قراءتها!.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك تصور سائد في المجتمع، يتمثل في أن الفرد دائماً يتأثر سلبا بما يقرأ. هذا التصور في اعتقادي ناتج عن الوصاية على العقول، لذا يجب منع الكتب، فإذا كان الشباب يتأثرون بأي شيء يقرؤونه، أليس هذا دليلا على تأثرهم بالداعية أو رجل الدين ويراد منهم الطاعة والانقياد؟ وبالتالي فإن المتوقع منهم أيضاً الانصياع للغير؟!.
يشتكي بعض التربويين والدعاة من ضعف الوازع الديني لدى الشباب اليوم، وكذلك الابتعاد والنفور من المواد الدينية في المدارس، وبالتالي فإن قاعدة المعرفة الدينية لديهم هشة وضعيفة، الأمر الذي يشكل خطراً على عقيدتهم الدينية عند قراءتهم للكتب المنحرفة فكرياً أو خطر الانفتاح على المعارف الأخرى، فهم غير مستعدين للخوض في هذه المسائل، وهؤلاء يعتقدون بأن الشباب لا يفهمون أو أن فهمهم سطحي وساذج ولا يدركون عمق المسائل!.
والحقيقة أن هؤلاء هم من أبعد الشباب عن الدين، من خلال التعامل معهم بمنطق الأمر والنهي والتكليف والوعظ والتلقين، والضغط عليهم، وتدريس المواد الدينية بخطاب ولغة لا يفهمها جيل اليوم من الشباب ولا يتناسب مع لغة العصر ومعطيات الحضارة الحديثة، ثم يطالبون الشباب بفهم هذا الخطاب الذين لا يفهمون مضمونه، وعليه فإنهم شباب مائع وكسول لا يتحمل المسؤولية ويريد التحلل والانفلات من القيم والأخلاق، فإذا كان هذا هو حالهم فكيف بهم إذا قرؤوا كتب أهل الضلال والإلحاد؟!.
من المفارقات العجيبة، أن البعض يتهم الشباب بعدم المسؤولية وبالتفكير السطحي والساذج والانصياع للغير، بينما هؤلاء يمثلون أحد الأسباب الرئيسية في وصول بعض الشباب إلى هذا المستوى من الثقافة والتفكير، وذلك من خلال التربية على مناهج تربوية ضعيفة، أفرزت شباباً مؤدلجا ومتعصبا يفكر بعاطفته وليس بعقله، ضعفاء الشخصية يسهل انقيادهم والتأثير عليهم.
بعض الشباب إن لم تكن غالبيتهم يعيشون في بيئة اجتماعية لا تطابق ولا تنسجم مع حياتهم، يعيشون منذ طفولتهم في البيت والمدرسة في جو الأمر والنهي ووجوب الطاعة دون مناقشة وعليهم الانصياع دون جدال، وبالتالي من الصعوبة التعبير عن مواقفهم ووجهات نظرهم، ويواجهون كثيرا من المحظورات والمحرمات.
وعند تجاوز مرحلة الطفولة والدخول في مرحلة الشباب فإنهم يواجهون المواقف نفسها من خلال العملية التعليمية وصولاً إلى الحياة العملية أيضاً، الأمر الذي أدى إلى وجود أزمة أخلاقية يعاني منها المجتمع اليوم خاصةً الشباب، وللأسف لم يتم الالتفات أو الاهتمام بدراسة هذه المشكلة، ولعلي أتطرق إليها في مقالة أخرى بإذن الله تعالى.
وعلى أية حال، فإن المنهج التربوي والتعليمي في المجتمع سواء كان في البيت أو الجامعة، أو بيئة العمل، فإنه يعتمد على أسلوب التلقين والطاعة والاتباع، والشباب مجبرون على العيش بنمط خاص كما يريده الآخرون منهم، وبعبارة أخرى الوصايا على عقول الشباب وأفكارهم.
قبل أسبوع تم تداول مشهد فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت، يتضمن قيام بعض المحتسبين بالاعتراض على أحد الكتب في معرض الكتاب أمام الزوار وبشكل عاطفي وانفعالي، مما يدل على الخوف الشديد من الكتاب والإحساس بالوصايا على الآخرين من باب الغيرة والحرص على العقيدة والدين ولو كان الأمر بيدهم لألغوا إقامة المعرض من الأساس.
الحقيقة المرة أن البعض يعمل على تربية شباب على أساس أنهم أطفال مطيعون، وفي الوقت نفسه عاجزون عن الفكر والتفكر، وبعبارة أخرى سفهاء تجب الوصاية والولاية عليهم، في حين إن الشباب اليوم يريدون حرية الفكر وحرية العمل وتحمل المسؤولية، فإذا أردنا أن نصون الشباب ونحميهم ونقوي حالة المناعة لديهم، فلنفسح المجال لهم في توافر الكتب والاطلاع عليها، ولا نمنعهم من أن يفكروا وينتقدوا ويناقشوا وأن يجربوا الحياة بأنفسهم، ولنمنحهم الاستقلالية والمسؤولية مع إدخال الفكر الانتقادي في نظامنا التربوي والتعليمي.