كتبت هنا مرات عدة عن تحول العالم في العصر الرقمي الذي نعيشه إلى اقتصاد المعرفة، وأن العالم الأول قد نجح إلى الآن في الاعتماد على اقتصاد المعرفة بنسبة 50%، في الوقت الذي نحن نسير عكس التيار بالاستثمار في الطاقة النووية التي يدير العالم الأول الآن ظهره لها.

في يوم السبت 22 فبراير 2014 كتب أستاذ الاقتصاد ورجل الأعمال والأستاذ الجامعي ومؤسس ورئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال الأهلية المعروف، الدكتور عبدالله دحلان، مقالا مهما بعنوان: "نعم للطاقة البديلة ولا للطاقة الذرية"، بين فيه بالشواهد والأدلة والأمثلة والمتكآت العلمية والدراسات، أن العصر الرقمي الذي نعيشه لا يتفق بتاتا مع الطاقة الذرية، ودلل على ذلك أن الغرب الآن يتخلص منها ويتجه للطاقة البديلة، وذلك لأن الطاقة الذرية "أحد أكبر المخاطر على سلامة الشعوب في العالم. وعندما بدأ التفكير في استخدام الطاقة النووية لتوليد الكهرباء في الماضي، لم يكن البترول والغاز بديلين متاحين بالوفرة لتغطية الاحتياج"، هذا من ناحية، ومن الناحية الثانية الدلائل أثبتت فشل الطاقة النووية في تحقيق اقتصاديات تشغيل أرخص وأوفر اقتصاديا للدول المستخدمة مقارنة بأسعار البترول والغاز.

والسبب الثاني، الخطورة التي تمثلها الطاقة النووية عندما تكون هناك حوادث مثل حادثة "تشيرنوبل" في روسيا، ثم مشكلة النفايات النووية وكل ذلك "جعل العالم في قلق مستمر بعد أن فقدت البشرية نحو مليونين وسبعمئة ألف إنسان بسبب مباشر وغير مباشر من جراء كارثة تشيرنوبل".

وثالثا، أن العالم في الماضي كان يجهل الآثار المدمرة للطاقة النووية المستخدمة سلميا، ولكن بعد تلك الحادثة تغيرت ثقافة وعلم الشعوب، وتألمت مما حصل فيها وفي كارثة المفاعل النووي في اليابان، مما دفعها إلى الاحتجاج والرفض، وتجاوبت الدول الصناعية مع رغبات شعوبها والمنظمات المدنية، فبدأت قرارات وقف استخدام الطاقة النووية: "فمثلا السويد توقفت عام 1980، وإيطاليا عام 1987، وبلجيكا 1999، وألمانيا عام 2000.

والدول الأوروبية تخطط الآن لوقف الاستخدام والاستثمار في الطاقة النووية، فكيف نبدأ نحن في الاستثمار فيه؟ كما ورد في مقال الدكتور دحلان "أن الولايات المتحدة هي أول دولة تنتج الكهرباء من خلال محطات نووية في العالم، وهي أكبر دولة في العالم منتجة للطاقة النووية، أعدت دراسات وأبحاثا امتدت نحو عشرين عاما، صرفت عليها عشرة بلايين دولار لمحاولة تخفيض الآثار السيئة من الطاقة النووية، وعلى وجه الخصوص النفايات النووية، وقد قررت مؤخرا إدارة الرئيس "أوباما" إلغاء مشروع "يوكا ماونتن"، الذي كان يفترض أن يشكل مخزنا نهائيا لكل الوقود النووي المستنفد".

والبرامج الذرية الآن تكلف خزائن الدول مبالغ كبيرة كتعويضات فكما أوضح تقرير لجنة "بلوريبون": "أن دافعي الضرائب من الشعب الأميركي سددوا نحو بليوني دولار عام 2002 تعويضات لأصحاب المرافق النووية مقابل إغلاقها، ويتوقع أن يسدد دافعو الضرائب من الشعب الأميركي نحو عشرين بليون دولار بحلول عام 2020". هذه أهم النقاط التي وردت في مقال الدكتور عبدالله دحلان، وهو اقتصادي وأعتمد في طرحه على معلومات موثقة وتقارير رصينة من مراكز موثوقة.

مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في السعودية، أعلنت أن استراتيجيتها للطاقة النووية والمتجددة في المملكة على وشك الصدور، وهذا شيء يدعو فعلا للاستغراب الشديد، إذ كيف يعمل العالم اليوم على التخلص من المحطات النووية لحماية مجتمعاتها ولوجود البدائل النظيفة التي تخلو من الخطورة ونحن نبدأ في بنائها.

أليس حري بنا أن نسأل أنفسنا، لماذا يقوم الغرب بعد تجربة مئة عام بالتخلص من برامج الطاقة النووية، وما مبرراته؟ ألا يجدر بنا أن نعرف الأسباب؟ هناك أنواع كثيرة من الطاقة المتجددة، وهناك اقتصاد المعرفة، العالم اليوم ليس العالم الذي كانت الطاقة الذرية الخطرة ضرورية فيه.. أتذكر عبارة عميقة في كتاب "جون نيسبت" (التحول الكبير) الذي ألفه في بداية ظهور معالم العالم الرقمي، وتقول العبارة: "من السخف ألا نعيش العالم الرقمي في العالم الرقمي". العالم اليوم يستثمر في اقتصاد المعرفة وفي مجال الطاقة، يستثمر في مجالات الشمس والرياح والأمواج وغيرها من أنواع الطاقة النظيفة التي لا تشكل خطرا على المجتمع، وهنا نتوجه إلى رئيس مدينة الملك عبدالعزيز، معالي الدكتور هاشم يماني، وهو العالِم الذكي، وإلى مجلس الشورى بطلب التريث في تطبيق الاستراتيجية التي تزمع المدينة تبنيها حتى يتم إعادة النظر في البرنامج السعودي النووي، في ضوء ما ذكره الدكتور دحلان، وفي ضوء المعلومات التي أوردناها، فلا يعقل أن نسير عكس التيار بالرغم من معرفتنا المسبقة لخطورة ما نحن ماضون إليه.

أخيرا، الاستثمار في برامج الطاقة النووية لم يعد في هذا العصر مجديا، ليس هذا فحسب، بل يشكل خطورة كبيرة على المجتمع في حالات الحوادث، وحتى لو لم يكن هناك حوادث، فهو يشكل خطورة في كيفية التصرف في نفاياته، في الوقت الذي يقدم لنا العصر بدائل مجزية وخالية من الخطورة، وتضعنا في الصف الذي نريد أن نواكب فيه العصر، هذا كلام يقوله المتخصصون العارفون ويقوله الواقع الذي نعيشه وتثبته الأحداث والشواهد والأمثلة.