وزع الأستاذ البريطاني أسئلة اختبار على طلابه الأجانب وهو يقول: قبل أن تجيبوا اقرؤوا الورقة جيداً. انهمك الطلاب في الإجابة، وبعد مضي وقت طويل تعالت صرخاتهم، لقد كانت آخر فقرة في الورقة تقول اقرأ الأسئلة لكن لا تجب عليها.

لم يكن ذلك مقلباً من الأستاذ، بل كان درساً في وجوب قراءة التعليمات قبل الشروع في أي عمل، لكن السؤال هنا أين هي التعليمات، أعني في بلادنا ولا أقصد ما يحدث في بريطانيا.

في بريطانيا أبرز ما تراه أمامك هو التعليمات، فمثلا على سلم "الأندر قراوند" المتحرك ستجد مكتوبا أين تقف إذا كنت ستكتفي بحركتها، في الطرق مرسوم على الإسفلت خرائط وتعليمات، حتى إنك تكاد لا ترى الإسفلت في أجزاء كثيرة من الطريق. قبل دخول الطفل إلى المدرسة عليه وعلى المسؤول عنه لقاء عضو من الهيئة الإدارية تكون بينهم ثلاث نسخ من عقد مبينة فيه الواجبات والحقوق لجميع الأطراف، تتم مناقشتها والتوقيع عليها ويحتفظ كل طرف بنسخة منها.

قد يقول قائل: هل يجب أن تحدد لنا الحكومة كل شيء حتى وقوفنا على السلالم؟ في الحقيقة نعم؛ لأن الواقع العملي يثبت عدم قدرة الإنسان على التصرف الحضاري دون تعليمات. إن ذلك يشبه بطريقة ما مع الفارق الكبير، إرسال الله عز وجل للرسل عليهم السلام وبكتبهم الطاهرة لأن يضمن درجة كبيرة من الانضباط داخل المجتمع لا يعذر فيها قادر.

الجانب الآخر الدي أود التحدث، عنه كشيء يحدث في بريطانيا ويهمني نقله إلى مجتمعنا، هو ما أشعر به بأن بلادنا تفتقده حتى في المجتمع الأكاديمي، مما يثير الدهشة، فمن المتوقع أن يكون الأكاديميون أكثر الناس اهتماماً بكل رؤية تنتج عن تجربة يمر بها الإنسان، وأعني بذلك الرأي؛ عندما كنت طالبة ماجستير حضرت نقاشا لزميلة سألها المناقش عن ثلاث أو أربع جمل، فردت هي رأيي فالتفت يمينا وشمالا ثم قال ومن أنت حتى يكون لك رأي؟ يومها سألت مشرفتي فأكدت لي أن علي ألا أضمن رأيي لأننا ما زلنا في مرحلة "الماستر"، وفي بريطانيا وفي مرحلة "البريسشنال" وهي مرحلة تسبق الدكتوراه وتعد لها، تساءلت الأستاذة عن رأيي في بحث قدمته لها قالت متعجبة أين رأيك؟ فشعرت بحرج بالغ ولم أستطع أن أقول لها إني أظن أنه لا رأي لنا في مرحلتنا، ووقفت أستمع لشرحها وأن علي أن أكتب رأيي في كل نقطة في البحث فأنا لست Storyteller بل باحثة.

في الواقع ليست كل القرارات في بريطانيا تنتهي نهاية سعيدة، وربما من أهم القرارات التي يعاني منها البريطانيون هو قرارهم بالانضمام للاتحاد الأوروبي، وفتح باب الهجرة على مصراعيه، حتى أصبح من النادر رؤية الشعب البريطاني وسط هدا الموج الهادر من الأجانب، كما السعودية تعاني بريطاني مما يسميه علماء الاجتماع Passive tolerance، أي بالمعنى الحرفي التسامح السلبي وينتج عنه تكدس المجتمع ضد الأجانب، حيث يشيع بينهم أن هؤلاء يشاركون المواطنين في خيرات بلادهم، وتزداد معه كراهية الأجانب، ويقل معه تناقل الثقافات، وفي الحقيقة: الدراسات تؤكد ذلك حيث هوت نسبة تقبل الأجانب خلال العشرين سنة من 28 إلى 9%، مما دفع ديفيد كامرون رئيس وزراء بريطانيا لقطع الوعود بإيقاف سيل الهجرة إلى بريطانيا، ومن ضمنهم الطلاب، مما أثر سلباً على الجامعات البريطانية، حيث خسرت أكثر من نصف طلابها بسبب القرارات الخاصة بالفيز ونظام الإقامة.

هناك أيضاً شيء آخر مميز يسرني حقيقة الحديث عنه وهو انتشار محلات Charity في كل شارع تقريباً، حيث يبيع الناس أو يهدون هذه المحلات أشياءهم القديمة، فيتم تنظيفها وإعادة بيعها من: كتب قديمة، ملابس، حقائب، ثم يذهب الريع للفقراء.. أليس ذلك أفضل من دفع الفقراء لتفتيش القمائم والبحث عن فضلات الآخرين.

أيضاً شيء آخر توقفت عنده بالأمس؛ وهو أن بريطانيا عانت مثل كل الدول الأوروبية من الطائفية، حيث يقتل الناس باسم الرب وبدعوى الكفر، واليوم يوجد على أراضيها ملايين المسلمين من طوائف متعددة، لذا قررت خلال السنوات الأخيرة رفض وجود أي واعظ يتاجر بتكفير الآخرين، وهو غير مبال بلحمة بلاده الوطنية ونسيجها الاجتماعي، ويريد أن يدخل بريطانيا، بينما هو قد كفر بعض مواطنيها، لذا قامت بتصرف شجاع بإعلان أن هؤلاء غير مرحب بهم.

شخصياً، أجد أن هذا القرار البريطاني سيعود علينا بالنفع بطريقة ما، حيث سيصمت هواة التصنيف في "الهايد بارك "عن إيذاء شركائنا في الوطن والعروبة، وبذلك تموت فتنة التفريق بين أبناء الوطن الواحد.

لا أشك أبداً أن بلادنا لديها كامل الاستعداد حتى لتخطي الأنموذج البريطاني، خاصة أنها تملك الكثير من المال والشباب، لكننا ما زلنا أسيرين مرحلة مقاومة التغيير التي سنتخطاها عندما نحدد وبقوة خياراتنا.