يقال إننا لا نتوقف عن تعلم أشياء جديدة في الحياة، إلى أن يأخذ الله أمانته، لكن هنالك أشياء تمر علينا أكثر من مرة ونعجب بها، لكن لا نعلم منها أو عنها شيئاً؛ ربما لأننا لم نشعر بالحاجة إليها في وقتها، لم نستوعبها استيعابا كافيا، أو لم تكن أكثر من شيء جميل استمتعنا به.

في زيارتي هذه الأيام لمنطقة عسير، التي دائماً ما تلهمني وتعلمني الكثير، وقفت على مقولة للإمام علي رضي الله عنه، لم تكن أول مرة أراها، وفي المكان نفسه: "قرية رجال ألمع"، وهي: "رب همة أحيت أمة"، التي كتبها بالحجر في مدخل القرية بيده العم طرشي أشهر مرشد سياحي بمنطقة عسير.

ولد طرشي محمد الصغير بقرية رُجال التابعة لمحافظة رجال ألمع بمنطقة عسير، عام 1350، وحصل على الشهادة الابتدائية، حيث بدأ ممارسة الإرشاد السياحي عام 1405، بقرية رجال التراثية، لكنه قبل ذلك كان قد عمل مع والده في التجارة لمدة عشرين عاماً، بعدها تاجر باللحف وجميع أنواع "الحزم" وتجارة التوابل والعطورات والأصباغ، ثم أصبح سائق أجرة يتنقل من حدود اليمن إلى الطائف ومكة ومنطقة عسير، أما آخر مهنة زاولها قبل الإرشاد السياحي، فكانت العمل مع المحاسب الذي يقوم بصرف رواتب للمعلمين والطلاب في ذلك الوقت.

"عم طرشي"، بعد مرور تلك السنين كلها، ما زال يبني بيديه، فقد شيد متحفاً خاصاً به وكتب عليه العبارة نفسها بالحجر: "رب همة أحيت أمة". لم يتوقف "طرشي" الثمانيني عن البناء، ولم يكتف بكونه أشهر مرشد سياحي، بل شيد لنفسه متحفاً خاصاً، ضارباً مثلاً رائعاً لجيل بعضه حالم، يحلم بأهداف وطموحات كبيرة، لكنه لا يسعى لتحقيقها، لا همة له تدفعه إلى العمل، يكتفي فقط بالأحلام ليعيش فيها، وبعضه الآخر بائس يائس، طموحه متواضع، وهناك فئة طموحة تحلم بأهداف كبيرة وتخطط لأحلامها وأهدافها، تنفذ، تنتج، وتعمل بجهد ومثابرة، أولئك يحملون همة عالية.

أذكر هنا قصة المسك كافور الإخشيدي الذي كان من رقيق الحبشة، و"رغم سواد بشرته لم يكن وسيماً، بل كان دميماً قبيح الشكل، مثقوب الشفة السفلى، مشوه القدمين، بطيئاً، ثقيل القدم"، دخل مصر عبداً ليباع في سوق النخاسين، وبينما هو كذلك سأل رفيقاً له عن أمنيته وطموحه رد عليه قائلاً: "أتمنى أن أباع لطاه كي آكل ما أشاء وأشبع". وله ما تمنى، أما كافور فقال: "أتمنى أن أملك مصر". فبيع كافور لمحمود بن وهب بن عباس الكاتب الذي علمه القراءة والكتابة، وعندما انتبه وهب الكاتب لذكائه وموهبته وإخلاصه جعله حرا وأطلق سراحه. وأرسل كافور كقائد عسكري في عام 945 إلى سورية، كما أرسل ليقود حملات أخرى في الحجاز، حيث أصبح الحاكم الفعلي لمصر عام 946 بعد وفاة محمد بن طغج (كوصي على العرش). وصف من قبل المؤرخين بالحاكم العادل المعتدل، إلا أن قصائد المتنبي الساخرة ارتبطت به، ومن أشهرها بيت الشعر الذي هجا به كافورا:""لا تشتر العبد إلا والعصا معه... إن العبيـد لأنجاس مناكيد".

وفي يوم ما، مر كافور بصاحبه فرآه عند الطباخ يعمل بجد وقد بدا بحالة سيئة، التفت كافور إلى أتباعه وقال: "لقد قعدت بهذا همته فكان ما ترون وطارت بي همتي فصرت كما ترون، ولو جمعتني وإياه همة واحدة، لجمعنا مصير واحد".

الوطن بحاجة لأصحاب الهمم والطموح، فهم صناع الحياة وقياديو المستقبل.