حسنا فعل مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بعقد ورش عمل مختلفة تحت لافتة "تطوير مسيرة الحوار الوطني واستشراف مستقبله"، فبكل صراحة انتهى الحوار الوطني في ذهنية كثير من النخب إلى أن ملتقياته نوع من التنفيس للمجتمع.
ما زلت أتذكر حفاوتنا الكبيرة، قبل عشر سنوات، وقتما عقد اللقاء الأول ثم الثاني، وكانت مفاجأة من العيار الثقيل للساحة المحلية أن تجتمع تلكم الأطياف المختلفة التي لم نكن يوما نظن أن تلتقي وتتحاور، بل كانت أقرب للصدمة عند كثيرين، وعلقت النخب وقتها آمالا كبيرة على ترجمة التوصيات إلى واقع في الساحة المحلية، بيد أن الأمر كان أكبر من المركز، والمرحلة لم تكن تحتمل المجازفات أو القفز في الظلام، والعناد مع العامل الزمني الذي قد يقلب المعادلة وسيرورة الانفتاح رأسا على عقب.
عندما تفرع المركز إلى قضايا البطالة والتعليم وبعض الموضوعات التي لا تحمل رؤية فكرية، وابتعد عن صميم القضايا الفكرية الجدلية التي يتخاصم فيها المجتمع؛ انصرف الإعلام – بله المجتمع- عن الاهتمام بملتقاياته، وفقدت النخب حماستها، بل ورهانها على تغيير حقيقي يواكب المرحلة، وانتهى الأمر – رغم كل الجهود المقدرة التي تبذل- إلى قناعة أكيدة بأن المركز، هو مجردة أداة تنفيس فقط لا أقل ولا أكثر.
مجرد مجموعة من النخب، أو المتخصصين في القضية الرئيسة، مختلفة الأطياف والتوجهات والمناطق، تأتي وتتحدث وتتداخل، ثم بعد ذلك تكتب التوصيات، وتنشر في الصحف، وتنقل على الهواء في التلفزيون السعودي، وينفضّ المجمع، وتُحفظ التوصيات في الدرج الشهير.
جاحدٌ من ينكر دور المركز في بداياته ببثّ روح الحوار، وإشاعته في أجوائنا، بل وأزعم أن لأمينه العام معالي الأستاذ فيصل المعمر دورا كبيرا في ذلكم النجاح، عبر خلقه الجمّ وعلاقاته الوطيدة مع النخب الفكرية بكل توجهاتها، وانفتاح معاليه على كل الأطياف الفكرية التي انعكست على نجاحات أولى مدوية، وأعلم أن مسألة التوصيات التي يدور الرحى عليها ليست بيده، والأمر يتجاوزه والمركز برمته، وهذا ما أفقده كثيرا من المصداقية.
ربما لو أسهم الوزراء المعنيون في القضية الرئيسة التي تطرح، وساعدوا مركز الحوار عبر تبنيهم بعض توصيات ملتقياته، والجهر بها في الإعلام؛ لقدموا خدمة جليلة للمركز ولأعادوا له بعض المصداقية المفقودة، والمركز بمسيس الحاجة في راهن اليوم لمثل هذا الدعم، وأقول هذا وأنا أحد المحبين والمؤمنين والمنافحين عن المركز وما يقدمه، بيد أن الحب شيء، والواقع شيء آخر. وبداية الحل بهذه الصراحة، والاعتراف بالحال الذي وصل له مركز الحوار، وإن كانت الصراحة قاسية.
آتي لمسألة ترسيخ الحوار في المجتمع؛ أجزم لكم أن المركز لا يستطيع أبدا أن يضطلع بهذه المهمة وحده، القضية تحتاج فترات زمنية طويلة، بل وأجيالا حتى تكون بالصورة التي يتوخونها، وبدلا من التركيز على إقامة دورات في الحوار، وورش عمل في مناطق المملكة، وإيفاد شباب إلى بلاد العالم ليطلعوا على الحوارات، وكثيرا من المهام التي ـ برأيي ـ هي تشتيت لجهود المركز في المرحلة الحالية؛ على المركز التركيز على رسم سياسات عامة مشتركة مع التعليم العام، والتعليم العالي، والمعاهد المتخصصة، ورجال الأعمال، لترسيخ الحوار وجعله ركيزة أساسية في المجتمع.
المركز يرسم سياسات عامة ولا يباشر تلكم الورش والهامشيات التي يمكن تأجيلها لمرحلة لاحقة.
عشر سنوات كاملات مذ انطلاق مركز الحوار الوطني، وتقييمي أن الحوار الذي بث للآن ناعم وسطحي لم يتجذر أبدا، ونظرة فاحصة لحوارات المثقفين في الفضائيات أو حتى استعداءاتهم في الصحف تقول لنا بذلك، فما حصل في خلال السنوات العشر، هو إشاعة مفهوم الحوار والتعريف به، وهذا حسن ولكنه لم يتجذر ليكون سلوكا ينتظمنا، أو خلقا نعمل به في مجالسنا ومدراسنا وجامعاتنا.
سأكون صريحا بالقول: إن مرحلة الملك عبدالله هي مرحلة الحوار، ومليكنا يحفظه الله ويمده بالصحة والعافية هو من تبنى هذا الموضوع، وأقام هذا المركز، ولذلك دعوتي بأن يستثمر فيصل المعمر ورجاله هذه المرحلة، بالتركيز على الأسس والقضايا المهمة، ويتركوا الفرعيات والهامشيات لمراحل زمنية لاحقة، فالتاريخ يحدثنا بأن لكل قائد مشروعاته الخاصة بتلك المرحلة التي حكم فيها، والفرصة متاحة للمعمر في ظل هذا الدعم اللامحدود من مليكنا يحفظه الله، بأن يركز على القضايا الأهم التي تحسم أمورا جدلية حادة، نحتاج دور المركز فيها.
موضوع العلاقة بين الطوائف كالسنة والشيعة في بلادنا، وإمكانية بلورة ميثاق شرف وطني، هناك الربيع العربي وتأثر الشباب السعودي به، الإخوان المسلمون في السعودية، كيفية التصدي لفساد المسؤولين الكبار، وجملة من القضايا الوطنية الحساسة التي ينبغي الحوار فيها بكل شفافية، هذا أدعى كثيرا لإعادة المصداقية الحقيقية لمؤتمرات الحوار الوطني.
الحوار في القضايا المجتمعية الحساسة مسألة يحتاجها الوطن من مركز الحوار، وإن فعل ستعيد له وهجه ومصداقيته.