يمكننا القول إن الحب كان أحد أهم موضوعات السينما على مدار التاريخ السينمائي. ويمكن تمديد هذا الحكم أيضا على كل مجالات الفنون الأخرى، فالحب كان على مدار التاريخ الإنساني محطة أمان وجذب ورغبة وبحث واستشكال وقلق أيضا. ولكن إلى أي حد يستطيع الحب أن يصمد أمام مشاعر الإنسان الأخرى أو رغباته الأخرى أو حاجاته الماسّة الأخرى؟ إلى أي حد يستطيع الحب أن يصمد أمام الحياة وظروفها المتقلبة؟ إلى أي مدى يستطيع الحب أن يرافق اللحظات كلها، اللحظات التي نعيشها وتمثّل كل حياتنا بحلوها ومرّها؟ هذا هو سؤال فيلم Indecent Proposal (العرض غير المحتشم) الكبير.

الفيلم من بطولة الرائعين وودي هارلسون وديمي مور اللذين يمثلان دوري زوجين عاشقين على مستوى عال من التفاهم والسعادة، إلا أن ظروف الحياة لا تلبث أن تضع هذا الحب محل اختبار من خلال موقف غريب تقع فيه هذه الأسرة مع أحد أثرياء أميركا جون قيج، الذي يقوم بدوره بإتقان روبرت ريدفورد، هنا يخوض الحب اختباره الأول كما يخوض كلا الزوجين اختبارا قاسيا يكشف لهما مدى دقة تصورهما عن نفسيهما.

الفيلم مقتبس من رواية لـ "جاك إنجلهارد" وإخراج إدريان لاين ويعتمد على إثارة هائلة تخلقها حبكة القصة التي تعتمد على التعمق في فضاءات مجهولة من شخصية الإنسان. استطاع المخرج اختيار أكثر الأحداث تعبيرا عن تحولات القصة ومشاعر أطراف الأحداث، مرفقا كل هذا بموسيقى فخمة أفعمت المشاهد بالكثير من الانفعالات الأخاذة. أجاد المخرج تصوير تلك الانفعالات الحادة لتخرج بصورة مؤثرة جدا. سعى الكاتب والمخرج إلى أن تعبّر تلك الانفعالات عن مدى الوهم الذي يتلبسنا أحيانا حين نعتقد أننا نملك شيئا ما ولا نخشى عليه من الآخرين، ولكننا نشاهده يتسرب من بين أيدينا ولا نستطيع أن نوقف تدفقه بعد أن سمحنا له بالتدفق لتبدأ بعد ذلك عملية محاولة جمعه من جديد. هذه العملية مضنية ومحفوفة باحتمالات عالية من الفشل والإخفاق المرّ.

الفيلم يخلق سؤالا يرتدّ إلى الذات، فهو يطرح سؤالا مهما وينبّه بحدة إلى حالة يمكن أن يقع فيها الجميع، ليس بالضرورة بهذه الحدة التي حدثت بين الزوجين ولكن بطريقة أهدأ وأقل سرعة: هل يتسرب حبّك من بين يديك؟ هل تتسبب الظروف الخارجية أو روتين الحياة في إذابة جليد حبك؟ ماذا تفعل من أجل تقوية هذا الحب وشد دعاماته؟ ليس الحب هنا مقصورا في صورة الزوج مع زوجته بل هو ممتد ليشمل كل علاقة حب مع كل شيء، حتى مع النباتات والحيوانات ومقتنياتنا الغالية التي كثيرا ما نهملها. في رأيي أن هذا الفيلم إضافة إلى جودته الفنية وفخامة الصورة فيه إلا أنه يحمل فكرة في غاية الأهمية، رسالة نشعر من خلالها بروعة السينما وروعة الفن وقيمة الاجتماع والإنصات لهكذا أعمال.

يستيقظ كثير من الناس كل صباح متسائلين: لماذا لم أعد أشعر بذات الحماس لهواياتي كما كنت أشعر في السابق؟ شخصيا أشعر بهذا الشعور خصوصا مع الدراسة الأكاديمية وتحوّل الاهتمامات الفكرية التي طالما أنعشت أيامي لأعمال إلزامية تفرضها ظروف الدراسة النظامية. قد تكون القضية هنا هي تحوّل الهواية إلى احتراف. لا أستبعد أن يشعر لاعب كرة القدم أو الممثل بالشعور ذاته حين يذهب لـ"العمل" بدلا من الذهاب للمتعة. السعيد هنا من يحوّل عمله اليومي إلى متعة يومية. هذه مهارة استثنائية وعمل جوهري في تغيير علاقة الإنسان بما يفعل. صراع الإنسان هنا هو مع العادة والروتين وتحدي اكتشاف الجديد والمثير كل مرة في الشيء ذاته.

هناك وصفات كثيرة لإسعاد الحياة وإنعاش نشوتها كل مرة، ولكن يبدو أن المعنى الجوهري خلف كل ذلك، هو أن نعي أن العلاقة مع ما نحب أو من نحب علاقة غير مضمونة أو غير محسومة سلفا. الحب علاقة شروطها عالية جدا ولا تتحقق إلا بإنجازها يوميا وفي الوقت ذاته. الحب هنا فعل وعمل وليس مجرد رابطة يتم إنجازها ووضعها ضمن صندوق المقتنيات الأزلية. علاقة الحب هنا هي علاقة تتنازعها علاقات أخرى، علاقات منافسة ومغرية. أكبر إغراء لهذه العلاقات المنافسة أنها تبدو أنها ستصب في النهاية في صالح علاقة الحب ذاتها. هنا تصبح تلك العلاقات المنافسة مثل السراب الذي نعتقد أن الحب يقبع خلفه. إغراء المال هو إحدى هذه العلاقات المنافسة الهائلة. الحسبة كالتالي: هذا المال سيجعل حبنا أقوى وحياتنا أجمل. ولكن في كثير من الأحيان لا تنتهي الأمور بهذه الصورة أبدا. العلاقة الجديدة تستهلك أكثر مما نتخيل وتغيّرنا أكثر مما نتخيّل.

هذه الأجواء هي أجواء الصراع التي يعيشها أبطال هذا الفيلم والتي لا أعتقد أنها بعيدة أبدا عن الأجواء التي يعيشها كثير منا. في حياتنا دائما حب يستحق الرعاية، محبوب يستحق الاهتمام وفي حياتنا كذلك صوارف تبعدنا عن هذى الحب. في الأخير القرار لنا. ليس قرارا سهلا بالتأكيد ولكنه يبقى في أيدينا.