هل يمكن تحويل.. السمكة.. إلى مقال؟ ربما وإليكم القصة: ظهر أمس عرض عليّ النادل خيار الغداء على سمكة "شعور" لأنها بنصف قيمة "الهامور"، وهنا.. وللتجربة قررت التهام الهامور لأن الكلمة نفسها ذات جذر عميق في المخيال الشعبي. ولنصف ساعة ظللت أنتظر الهامور وكانت الوساوس تدور بالسؤال: هل يأكلني أم أنني قادر على افتراسه؟
أنا في الأصل البعيد، من جذر ريفي لا يعرف حياة الأسماك ولا الفارق ما بين "الربيان والهامور"، وفي خيالاتي أن "الهامور" هو من اشترى مخططا هائلا بسعر خمسين ريالا للمتر المربع ثم اشتريت منه قطعة منزلي الصغيرة بنصف مليون ريال، هو من استورد سيارتي ثم دفعت له خمسة أضعاف قيمتها من وكالته الميمونة. هو من جعل رواتب وظيفتي أسيرة "لقرضية" الشهريين التي لم أستطع التخلص منهما لثلاثين عاما متواصلا من "آخر الشهر" والمرتب والوظيفة.
فجأة.. يضع النادل سمكة الهامور ساخنة على الطاولة. هذا الهامور الذي تركني "عبدا" أسيرا له، ولثلاثين سنة، ليس إلا سمكة صغيرة، أصغر من حجم كفي الأيمن.
هذا الهامور الذي سمعت عنه في حياتي مليون مرة، ومرة يتحول إلى "بضع" لقيمات تحت فرك الأصابع و"طقطقة" الأسنان. خلصت من التهام الهامور تماما وما زلت أشعر بالجوع... وهنا تبدأ فكرة الهامور، الهامور الكاذب، هو من "ضحك" عليّ طوال حياتي كي يشعرني أنني مجرد "ربيان" مستضعف، هو من باعني أرض منزلي بعشرة أضعافها لأنه عرف قواعد اللعبة. هو من أقنعني بشراء سيارتي تحت ضغط الدعاية الكاذبة. هو من تقدم بملفاته لشراء مناقصات البنى التحتية في حياتي.. وفي كل مرة.. أشكره على جهده الوطني الخارق دون أن أعرف هذه الكذبة الكبرى من اسم الهامور ودون أن أعرف بالبرهان أن "علي الموسى" يستطيع أن يكون أكبر من عشرة "هوامير" بضربة واحدة. حين رفع النادل بقايا صحن "الهامور".. طلبت منه "نصف دجاجة".. لأشبع!!!