حين اقترح المسرحي الشهير البولندي غروتوفسكي "1933- 1999م" مسرحه الفقير الذي يتنازل عن كل ما نراه اليوم من عناصر فنية مساندة كالديكور أو الماكياج أو السينوغراف بعامة، فإنه بلا شك كان قد أسس لما يمكن أن يحدث مستقبلا، مهما كان التطور الذي ستمر به تلكم العناصر، كما نشاهد اليوم على صعيد تناغم التخصصات الفنية في عمل واحد، وكأن غروتوفسكي قد تنبأ بما سوف يواجهه مسرحنا اليوم من حالة "تقشّف"، وهو المصطلح الذي أصبح علامة فارقة على مسرحنا المحلي، بل على الفنون جميعها بفعل قلة الموارد التمويلية الداعمة.

الغريب، أنه حتى على مبدأ ونظرية المسرح الفقير ليس لنا كمسرحيين ذلكم الحضور المؤثر من خلاله ليتعرف عليه الناس، فما يزال المسرحيون يرددون تلكم الكلمة "الفايروس" التى استحال معها الفعل المسرحي إلى كيان معتلّ لا هو بالحيّ المبشر ولا بالميت الذي نكرمه بدفنه ثم ندعو له، وإنما يستفيق فترات ثم لا يلبث أن تنهك قواه فيرتمي مغشيا عليه حتى أجل غير مسمى، وبطبيعة الحال هذا ليس تبريرا لإصابة مسرحنا بالفايروس التقشفي، إذ الأمر أشبه ما يكون بإصابة المجتمع بوباء الكوليرا في ظل توافر عوامل النظافة والمعقمات والمضادات الحيوية، وهذه ورطة استراتيجية يحار منها الحليم، وتضع العقل في الكف كما يقال.

بالأمس احتفل العالم أجمع بالمسرح في يومه العالمي، فيما أنظر إلى مسرحنا المحلي وكأنه يتيم يتطلع إلى الدنو من مائدة الأثرياء فلا يصل. هم في الحقيقة لم يصدّوه عنها، وهو لا يتجرأ على الاقتراب، يكبله انهزامه الداخلي، وخجله من ضعفه، وقلة حيلته. أقول هذا وأكتبه وأنا أحد أفراد الأسرة المسرحية، وأتحمّل مثل زملائي جميعا وزر التسليم بالأمر الواقع، فيما يمكننا عمل الكثير حتى نستطيع النهوض بالبناء مرة أخرى، وحتى يُشفى عليلنا وتعود إليه قواه، وحتى لا نكون نحن كذلك منكفئين على ذواتنا في حالة من التشاكي والرثاء التي لا طائل منها ولا نفع، بل ما سيحدث هو أن نكون ضد المسرح، وهذا ارتكاس حضاري وتنموي وفكري في آن، ليس لمجتمعنا أن يتقبله ولا لمؤسساتنا الثقافية أن تقرّه. ومع ذلك كله فإنّ الأمل معقود على ذوي الهمّ والهمم في جمعيات الثقافة والفنون التي تصارع من أجل البقاء، ولن يتأتى ذلك إلا بخروج أدعياء الانتماء والخلاص منهم.