في زمن ما قادني قدري للدراسة مع مجموعة من الأوروبيين أحدهم يهودي فرنسي، كان كبيرهم الذي علمهم الشر، فكانت كتجربة من أصعب ما واجهته في الغربة، كنت تقريباً الطالبة الوحيدة العربية والمرأة أيضا في أغلب الأحيان لأنه كانت هناك زميلة لكنها كانت محترفة غياب فكنت أبقى دائماً وحدي أتحمل ألم الأقلية واضطهاد الأغلبية.
لم يهتموا بوجودي إلا إذا رغبوا بإزعاجي أو استفزازي لكني بصراحة شديدة كما يقول البدو لست "قليلة شر"، فكل هجوم أتلقاه أرده بهجوم آخر كان يفقدهم صوابهم في معظم الأحيان؛ ففي إحدى المرات قال أحدهم بعد درس كان عبارة عن مقال في صحيفة بريطانية عن نفاد الطاقة: عزة ماذا ستفعلون بعد نفاد البترول: "فقلت وأنا أكتب في دفتري "كما كنا نفعل قبله نعلمكم الأرقام"، عندها التفت للأستاذ في محاولة لتكذيبي لكن الأستاذ أكد كلامي، وأن هذه الأرقام عربية في الحقيقة صمت لم أخبرهم أننا نستعمل الأرقام الهندية حياء من سخافاتنا الصغيرة.
كنت أتأملهم بين الحين والآخر وأتساءل ما الذي جمع الألماني بالفرنسي واليهودي أيضاً، وما الذي يجعل الإسباني يكن كل هذا التقدير للإيطالي؟ ما الذي يجمعهم بعد كل هذه الحروب وكيف أصبحوا أمة واحدة يرقصون فرحاً لخبر موافقة إسبانيا على الانضمام لليورو؟ ويتابعون بحزن ما يحدث في اليونان وإذا تحدث أحدهم عن طالب مميز سألوا بصوت واحد هل هو أوروبي، كنت أقول لنفسي إن دماءهم شتى وأديانهم مختلفة وتاريخهم حافل بالحروب والكراهية ومع ذلك توحدوا وأصبحوا أمة واحدة.
أمة تتبادل المصالح بجدارة، فالبلد التي تحتاج العمالة تمد الأخرى بها، والبلد التي تحتاج المال للاستثمار يأتيها نصيبها من عضو آخر، كل بلد أوروبي لديه واجب تجاه الآخر، بل إن بريطانيا التي تشترط على الطالب السعودي وغيره إجادة اللغة إلى حد ما وكفيل تعليمي استقبلت هذا العام مرغمة آلافا من غجر رومانيا وبلغاريا، وهم للعلم لا يعرفون حتى القراءة والكتابة وأصبحت مسؤولة عن تحسين أوضاعهم، إنه واجبها كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
لقد كانت الوحدة الأوروبية مجرد حلم نفذ، وها هم يتخلون عن العمالة من خارج أوروبا ويعلنون ذلك ليضمنوا وحدة الثقافة ونقاء العرق الأبيض بينما نحن نستحي من ذلك ونترك الثقافات غير العربية تغزونا وتدمر لغتنا.
العالم يتوحد ويصبح كتلا وأحزابا ونحن كعرب نؤمن يوماً بعد يوم أن إيجاد عيوبك أيسر من رؤية محاسنك لذا من الأسهل لي كراهيتك على أن أحبك وسأنام مرتاحة الضمير لأني أكرهك لأنك كذا وكذا.
ما الذي جنيناه بعد كل هذا العمر العربي الخائب من حقول الكراهية؟ وما بنيناه من أسوار أبعدت أشقاء لمجرد أنهم فقراء أو أقل تعليماً منا ثم استقبلنا عشرات الذين استنزفوا ثرواتنا وأرسلوها لبلادهم لتصنع أسلحة تدعم بها أعداءنا أو على الأقل تبقى في الحياد عندما تشتعل في العالم إحدى قضايانا والأمثلة كثيرة.
ماذا فعل العربي ليكرهه العربي الآخر أو يحتقره أو يرفسه بقدمه ويغلق الباب بوجهه؟
هل قتل نصف مليون شخص كما فعل الألمان بالأوروبيين الآخرين؟ هل أحرق أجمل الأماكن التاريخية في مدينة عربية كما فعل الألمان بلندن؟ معظم الدول العربية لم توجه بندقية إلى أخرى، ومع ذلك لم نحقق نقطة إيجابية واحدة في درب الصداقة، وليس الأخوة حتى في الأنموذج العربي الأصغر مجلس الخليج الذي يبدو أنه يعاني أو يحتضر.
البعض يظن أن عدونا الأول يتمثل في إسرائيل لكن الواقع يقول لا، ألا ترونها سحبت كرسياً وجلست تتابع فيلم الرعب الذي نقدمه للعالم بدءا من مصر إلى اغتيال أطفال سورية وما يحدث من تفجيرات في العراق بسم الله ورغبة في الجنة، إن عدونا الأول هو أنفسنا المرهقة بالكراهية والأنانية والخوف على الرزق، وها هو الرزق ينفد قبل أن نصنع منه نهراً يمد الأجيال القادمة بالمستقبل.
إن دولنا تتعرض لهجمة مدبرة ممن نعرفهم جيدا، ولا أشك أن أهدافهم تقسيمنا ليس كسايكس بيكو بل حتى الوطن الواحد، ونحن مشغولون بخلافاتنا.
إن استشعار العرب خاصة الدول الغنية مسؤوليتها عن الدول الفقيرة في إيجاد الوظائف لهم وقبلها تعليمهم وتثقيفهم ليس واجبا فقط لوحدة الدم، بل واجب اقتصادي لن تستطيع أن تتقدم وجارك فقير معدم لأنه دائماً سيحضر ليذكرك بأنك نسيته، واليمن شاهد على ذلك فمهما تجاهلنا ما يحدث في اليمن سيطالنا منه نصيب ولربما كان ذلك أكبر مما نتخيل.
إن ترتيب البيت العربي واجب ليس فقط السلطات والحكومات بل الشعوب، والسلام هو خيار الشجعان الحتمي والضروري فلا وقت لهذه الحروب النجسة واستنفاد طاقاتنا في قتل بعضنا البعض.