سعيد منصور طراد
عندما تتجول في إحدى مدن مملكتنا الغالية، تتوقع أن ترى مدنا غاية في النظافة والترتيب والتنظيم، فنحن أجدرُ الناس بتطبيق شرائع الإسلام وتمثيلها في أبهى صورها، خاصة ونحن نتطهر في اليوم خمس مرات، ونغتسل كل أسبوع مرة على الأقل، ونصرف المليارات على العطورات ومستحضرات التجميل، تتوقع أن ترى من شعب هذا ديدنه حساسية مفرطة ضد الفوضى والتخريب، فإذا بك تصدم بمناظر تخدش العين وتحزن القلب وتحز في النفس، فمخلفات البناء والقمائم والأكياس البلاستيكية تملأ الأحياء النظامية، والعشوائية أدهى وأمر، فضلا عمّا تغصُ به الشواطئ البحرية والحدائق من مخلفات المتنزهين غير النزيهين، حتى بيوت الله طالها نتاج التربية المجتمعية الفاشلة. فمن الملام على هذا الواقع المرير؟ بالطبع ليست البلديات، فلو أحضرتْ شركات النظافة اليابانية فلن تفلح في تنظيف المكان؛ لأنه يلزمها تنظيف فكر الإنسان ثم المكان. إذن فالمجتمع هو الملام الأول في هذا المقام، فهو الذي يسمح لأفراده بإلقاء النفايات في أي مكان وزمان، ولذلك نحن بحاجة إلى حملة وطنية كبرى للنظافة برئاسة رموز في المجتمع؛ حتى تعطي زخما إعلاميا كبيرا يتحسس المواطن منه أهمية الموضوع فيعطيه الاهتمام اللازم. فالواجب رسم خطط مستقبلية قريبة وبعيدة المدى بين جميع الوزارات، خاصة الوزارات المعنية، وهي "التربية والإعلام والشؤون البلدية"، فتقوم وزارة التربية والتعليم باستحداث برامج تعليمية، وتسن قوانين تربوية تعزز قيم النظافة في البيئة المدرسية، ولو أفردت بحصص مستقلة في النشاط المدرسي لأبلغت في الأثر، ثم تكلف إدارات التعليم بمتابعة ذلك باهتمام بالغ كما هو الحاصل في اليوم الوطني، وهل نظافة الوطن إلا أنبل سمات المواطنة؟. أمّا وزارة الشؤون البلدية والقروية، فالأولى بها اقتطاع جزء من الميزانيات المخصصة لنظافة المدن؛ لصرفه على توعية المواطن والمقيم بواجباتهم البيئية، والتحذير من مخاطر التلوث، وحتما كلما زادت التوعية كلما قلت الخسارة، ثم يأتي دور وزارة الثقافة والإعلام مكملا لهذه الجهود بالتغطية الإعلامية الشاملة، واستحداث البرامج التوعوية والشخصيات الكرتونية، التي تحبب الناشئة في النظافة والنظام، كما يجب الاهتمام الشديد بالإعلام الجديد الذي يوجه الساحة الشبابية الآن لما له من تأثير عجيب في تكوين المفاهيم سواء السلبية أو الإيجابية، فما المانع من إشراك شباب اليوتيوب وغيرهم في دعم هذه الحملة الوطنية الكبرى بأسلوبهم الحماسي، وتتحمل إحدى الوزارات تكاليف إنتاج هذه الحلقات الهادفة.
ختاما، أتمنى أن يطبق ما ورد أو بعضه، فهو كفيل بإذن الله في رفع الوعي وتقليل الهدر المليوني الذي تستنزفه نظافة المدن، وما دام هناك طفل يرمي النفايات بلا تأنيب ضمير، فاعلم أن خططنا باءت بالفشل، فإذا قام بالعكس فقد بلغنا المنى، وتحققت الأحلام بنظافة حواضر الإسلام.