في عصر العولمة أصبحت المعرفة و"الهندرة" ـ وليس النفط والغاز والفحم ـ المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي. من خلال العلم والفكر والبحث والابتكار، وليس التلقين والحفظ والتقليد، يتألق الاقتصاد المعرفي بمفهوم الهندرة لتنهض التنمية في المجتمعات وتعم الرفاهية بين الشعوب.

نتيجة للثورة التقنية والمعلوماتية في عام 1992، انتشر مفهوم "الهندرة المعرفية"؛ لتمكين دول العالم من إعادة هندسة أعمالها ورفع كفاءتها باستخدام الاتصالات والمعلوماتية. خلال عقدين من الزمن سارعت الدول لترسيخ هذا المفهوم، من خلال تطويع أنظمة تعاملاتها الإلكترونية لتطوير إدارة أجهزتها الحكومية، وتحسين أداء منشآتها الخاصة، ورفع كفاءتها وفعاليتها، ومنذ أن اجتاحت العولمة عالم المال والأعمال في عام 1995، أصبح مفهوم الهندرة المعرفية الدافع الأساس والمحرك الحقيقي للإدارة المميزة في دول العالم أجمع، ليتجاوز مجموع ما أنفقته هذه الدول على مشاريع الهندرة خلال العقد الماضي 260 مليار دولار، أسهمت في إرساء مشاريع الحكومة الإلكترونية والاقتصاد المعرفي في 86% من دول العالم.

تزامنت هذه التطورات مع صدور الأمر السامي بتعيين الأمير مقرن بن عبدالعزيز، أميرا لمنطقة المدينة المنورة. كان الأمير مقرن شغوفا بدعوة أهل المعرفة والخبرة في مجلسه؛ للاستفادة من العصف الذهني بين المشاركين وطرح المبادرات وتداول الآراء وبلورة الأفكار.

في إحدى هذه اللقاءات تبلورت فكرة تنفيذ مشاريع "الهندرة" بالمنطقة من خلال تطبيق نظام التعاملات الإلكترونية في الأجهزة الحكومية كافة، والاستفادة من الخبرات المحلية والعالمية في هذا المجال. خلال عام واحد فقط بدأت القطاعات الحكومية بمنطقة المدينة المنورة في تجهيز إداراتها لتنفيذ مشاريع الهندرة، فقامت بإعادة هندسة أعمالها الخدمية، وهيكلة تصاميمها المعرفية، وتجميع بياناتها المعلوماتية، ودمج وظائفها الإدارية. وفي خلال عامين من التنفيذ، ظهرت التحسينات الكبيرة المتوقعة في سرعة الإنجاز، وجودة الخدمات، وانخفاض تكاليف المعاملات. وكان لتنفيذ "مشاريع الهندرة" في المنطقة الباع الأطول في تغيير أساليب العمل، وتشجيع الابتكار وتطوير الأداء، مما أدى إلى رفع كفاءة التواصل بين الأجهزة الحكومية والمواطنين، وتسهيل سبل الوصول إلى المعلومات وتنفيذ الإجراءات.

وخلال أحد لقاءات العصف الذهني في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، كان الأمير مقرن بن عبدالعزيز يتغنى بمجلسه بما حققه علماء وخبراء المسلمين في أوج الحضارة الإسلامية، وكيف حملوا شعلة الإبداع والمعرفة على مدى 600 سنة، ليصبحوا مشعل النور في العالم أجمع. ففي الوقت الذي كانت شعوب الدول الغربية تغط في ظلام دامس خلال العصور الوسطى، كان العالم الإسلامي مهتما بتنمية المهارات الفكرية والإبداعية والمعرفية، وإغداق الموارد على تطوير العلوم الإنسانية والطبيعية والهندسية والفلكية والطبية.

خلال عصور النهضة، تجاوزت ميزانيات أبحاث الدول الإسلامية 30 ضعف ما كانت تصرفه دول العالم بأسرها على الأبحاث في المجالات كافة، وأصبح عدد العلماء المسلمين في ذلك الوقت 62 ضعف علماء الكرة الأرضية قاطبة، وفاقت مراجعهم العلمية والهندسية والفلكية والطبية أكثر من 189 ضعفا على عدد المراجع المؤلفة باللغات الأجنبية. وتداول مجلس العصف الذهني بكل بفخر واعتزاز سيرة أول جامعة تأسست في تاريخ البشرية عام 859، باسم جامعة "القرويين" التي أنشأتها "فاطمة بنت محمد الفهري" بمدينة فاس المغربية، وتخرج منها الكثير من علماء الغرب، ودرس فيها بابا الفاتيكان "سيلفستر الثاني".

نتيجة لهذا اللقاء تبلورت فكرة إنشاء جامعة الأمير مقرن بن عبد العزيز المتخصصة في التقنية والهندسة وإدارة الأعمال والقانون بمنطقة المدينة المنورة. هذه الجامعة الأهلية المعرفية غير الربحية تهدف إلى استقطاب نخبة من العلماء المسلمين، الذين يتطلعون لجوار المسجد النبوي الشريف والمشاركة في نقل التقنية والمعرفة وتأهيل طلبة العلم في هذا الوطن وتلبية احتياجاتهم في التخصصات النادرة بجودة عالية ومعايير دولية.

ونظرا لما يشكله أمن المعلومات من هاجس دولي يستوجب بذل المزيد من جهود البحث العلمي في هذا المجال، تبنى الأمير مقرن بن عبدالعزيز خلال رئاسته للاستخبارات العامة فكرة إنشاء كرسي بحثي لتقنيات أمن المعلومات في جامعة الملك سعود. هذا الكرسي يعمل على تقديم كل مفاهيم أمن المعلومات، من خلال ما تملكه الجامعة من خبرات وكوادر بشرية مؤهلة، وعلاقات مميزة مع باحثين عالميين ومؤسسات عالمية مرموقة، خاصة في ظل مشاريع "الهندرة" التي صاحبت ثورة الاتصالات والتطور التقني المستمر في وسائل تقنية المعلومات. كما أنشأ الأمير مقرن بن عبدالعزيز في جامعة الأمير سلطان جمعية علمية سعودية في مجال تعدين البيانات والاستكشاف المعرفي للمعلومات وطرق ربطها وتبادلها. هذه الجمعية تهدف إلى توضيح المصالح المشتركة بين المستخدمين لمشاريع الهندرة وتحقيق البيئة المميزة لالتقاء المختصين، وتمكينهم من تبادل الأفكار وبلورتها وتقديم منح بحثية لطلاب الدراسات العليا من أبناء المملكة والدول العربية المتخصصين في مجال تعدين البيانات. كما ستقوم هذه الجمعية بوضع برامج لدراسة الماجستير في كلية علوم الحاسب الآلي وتقنية المعلومات بجامعة الأمير سلطان في تخصص تعدين البيانات، وتقديم الاستشارات في مجال تعدين البيانات والمعلومات وطرق ربطها وبنائها، إلى جانب توفير مصادر إيرادات تضمن استدامة وجودة أداء المركز.

من يجالس الأمير مقرن بن عبدالعزيز اليوم يعرف تماما معنى الفرق بين العلم والتقنية، وبين الفكر والمعرفة، وبين الهدف والرؤية، ويفهم جليا أصول اللعبة في عصر العولمة الاقتصادية، وأهداف دمج الاتصالات بالمعلوماتية، ومغزى الحكمة في تنفيذ مشاريع "الهندرة المعرفية".