أحد أكثر الفصول المعيبة عاراً في التاريخ الأميركي – الإساءة إلى السجناء في العراق وأفغانستان على يد الجيش الأميركي والمتعاقدين الأميركيين - يضرب الرئيس أوباما بطرق ربما لم يكن يتوقعها أبداً. في 11 مارس 2014، اتهمت دايان فينستاين، وهي من أقوى أعضاء الحزب الديمقراطي في واشنطن، بشكل علني وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في عهد إدارة أوباما بانتهاك الدستور الأميركي. بعد ذلك في 11 مارس، تدخل الرئيس أوباما في أعمال وكالة الاستخبارات المركزية، مما سلط الضوء على البيت الأبيض.
وهكذا فإن باراك أوباما يواجه ما قد يكون أكبر أزمة سياسية خلال رئاسته، ومصدر مشاكله ليس الحزب الجمهوري، ولكن أعضاء بارزين في مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه. القضية المباشرة هي معركة وكالة الاستخبارات المركزية مع لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ حول دور الوكالة في برنامج عمليات الترحيل السري والتعذيب، الذي حدث خلال رئاسة جورج بوش، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. ومع أن الرئيس أوباما أوقف البرنامج بعد توليه الرئاسة بفترة وجيزة، إلا أنه رفض بإصرار السماح بتسليم أكثر من 9 آلاف وثيقة تابعة للبيت الأبيض إلى لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، ودعم بقوة مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون برينان، الذي كان رئيسا لقسم مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض سابقا، في محاولة لمنع قيام مجلس الشيوخ بنشر النتائج التي يتوصل إليها من تحقيقاته حول برنامج الترحيل القسري بشكل علني.
وفقاً للبرنامج، تم اختطاف عدد غير معروف من الأجانب والتحقيق معهم، غالبا باستخدام أساليب تعذيب مثل الغمر بالماء، والحرمان من النوم، والتخدير، والضرب. معظم هؤلاء المستهدفين كانوا إسلاميين. وكالة الاستخبارات المركزية أسست شبكة عالمية من السجون السرية، حيث كان يتم أخذ ضحايا الخطف وتعريضهم لأساليب التحقيق القاسية. بعض هؤلاء المخطوفين تم نقلهم في النهاية إلى معتقل جوانتانامو، حيث لا يزال عدد قليل منهم ينتظر المحاكمة أو الترحيل إلى بلادهم.
ومع أن مسؤولي إدارة أوباما، وعلى رأسهم نائب الرئيس ديك تشيني، دافعوا عن البرنامج، إلا أن باراك أوباما قام بحملة قوية في 2008 ضد هذه السياسة. ومع ذلك بعد أن وصل إلى البيت الأبيض، رفض القيام بأي عمل ضد أولئك الذين أداروا البرنامج غير الشرعي، ومؤخرا استخدم صلاحياته التنفيذية ليمنع مجلس الشيوخ من الوصول إلى وثائق هامة.
خلال التحقيق الذي قام به مجلس الشيوخ، اكتشف أعضاء لجنة الاستخبارات مذكرة من وكالة الاستخبارات المركزية، كتبها ليون بانيتا، الذي كان حينها مدير وكالة الاستخبارات المركزية، اعترفت ببعض إساءات استخدام السلطة التي كانت لجنة مجلس الشيوخ تحقق فيها. في مكان ما، غزا قراصنة الكومبيوتر التابعين لوكالة الاستخبارات المركزية قاعدة بيانات لجنة الاستخبارات ومسحوا تقرير بانيتا، ولكي يخفوا آثارهم، تقدموا بشكوى جنائية إلى وزارة العدل ادعوا فيها أن أعضاء لجنة مجلس الشيوخ حصلوا على الوثيقة بشكل غير قانوني.
عضوة مجلس الشيوخ السيناتور فينستاين انتابها الغضب عندما علمت بمحاولات وكالة الاستخبارات المركزية دفع وزارة العدل إلى محاكمة أعضاء لجنتها بشكل جنائي. اعتبرت تصرف وكالة الاستخبارات المركزية محاولة لتخويفها وجعلها تتخلى عن كشف برنامج تعذيب الوكالة، علاوة على ذلك، حقيقة أن وكالة الاستخبارات المركزية تجسست على اللجنة وسرقت وثائق إلكترونية من ملفات اللجنة شكلت انتهاكا واضحا للدستور، الذي يحمي فصل السلطات بين الفرعين التنفيذي والتشريعي. وبدلاً من العمل خلف الستار لحل القضية، قامت السيناتور بإلقاء كلمة في مجلس الشيوخ هاجمت فيها بحدة وكالة الاستخبارات المركزية والفرع التنفيذي. كلمتها أثارت اهتمام وسائل الإعلام في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ومباشرة تحرك أعضاء بارزون من كلا الحزبين للدفاع عنها.
وبعكس ذلك تماما، انحاز الرئيس أوباما إلى جانب وكالة الاستخبارات المركزية وصديقه المقرب جون برينان، عندما حاولت السيناتور فينستاين أن تتحدث مع الرئيس تلفونياً، في محاولة لحل الخلاف، رفض الإجابة على اتصالها. ذلك التصرف من جانب أوباما ضمن أن المواجهة سوف تتصاعد. زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ هاري ريد، الذي يحاول عادة تجنب أي صراع مع الرئيس، اضطر للانحياز إلى طرف فينستاين والدفاع عن مؤسسة مجلس الشيوخ ضد هجمات وكالة الاستخبارات المركزية والبيت الأبيض.
خلال الأيام القادمة، سيصوت مجلس الشيوخ على اعتماد النتائج التي توصلت إليها لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ حول برنامج وكالة الاستخبارات المركزية السابق للتعذيب، ومن المفارقات أن غالبية أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ يُتوقع أن يصوتوا مع الرئيس أوباما ووكالة الاستخبارات المركزية، فيما يتوقع أن يصوت غالبية أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين لصالح فينستاين ولجنتها. التقرير السري سيكون طوله حوالي 6 آلاف صفحة، واللجنة تكمل ملخصا غير سري من 400 صفحة، والتي تريد السيدة فينستاين أن تنشره بشكل علني. إذا صادق مجلس الشيوخ على التقرير، سيتم تسليمه إلى البيت الأبيض للحصول على الموافقة النهائية. يعود الأمر بعد ذلك للرئيس أوباما لتقرير ما إذا كان سيسمح بنشر النسخة العلنية وتقرير الأجزاء التي يجب منع نشرها.
في 24 مارس، نشر موقع هوفينجتون بوست تقريرا إلكترونيا وتحليلا مطولا عن الجدل حول فينستاين مقابل أوباما ووكالة الاستخبارات المركزية كتبه البروفيسور مايكل برينار، البروفيسور برينار انحاز بقوة لطرف فينستاين وقال إن الرئيس أوباما يجب أن يستقيل من منصبه بسبب انتهاكه القسم بأن يحافظ على الدستور، ومع أنه لا يوجد أحد يتوقع أن يستقيل الرئيس أوباما، إلا أن حقيقة أن قيادة الحزب الديمقراطي في الكونجرس تقف ضده تمثل ضربة خطيرة لقيادته.