لا أعتقد أن في باب الأخلاق والشيم هزيمة بل جريمة أخلاقية اجتماعية مثل تلك التي تتحول فيها فواجع الناس ومآسيهم وقصصهم المؤلمة الطارئة إلى سيل جارف من الصور ونقل الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بهذه الطريقة الوحشية البهائمية.

لا أعتقد أن صورة من البلادة الإنسانية بمشاعر آلاف المصابين المكلومين تفوق هذه الغرائز الشاذة حين نتجاهل أن لكل مصاب أو "متوف" أهله الذين يسبحون في بلدان الدنيا وقاراتها، ثم يقرؤون أخبارهم أو يشاهدون صورهم بعيد ثوان أو دقائق من المأساة بفضل هذا "التطفل" اليوفوري لهواة تصوير المآسي على طرقنا العامة. وخذ بالمثال، فمن صلب "أبي" في اسمي بعاليه: نحن اليوم نعيش في أربع دول وثلاث قارات متباعدة، ولكل أقدار الحياة بمشيئة الله عز وجل، فكل فرد بيننا يحتاج إلى تأهيل وتوطئة يصادرها ويمتهنها هواة نقل الأخبار والصور. نحن لم نعد سكان قرية مقفلة يأتي فيها "الصابر القوي" ليدق أبواب أهل "المصاب" بجرعاته العاقلة لاستقبال خبر الكارثة. لازالت في ذاكرتي، ولن تزول للأبد، دموع ذلك الأب الذي فقد ولديه، ثم يقول لي بكل الألم إنه قرأ هذه المصيبة الهائلة على "الواتس" وهو سائح مع والدتهما في مدينة سعودية، لازلت أتذكر بالضبط تفاصيل حكايته عن تلك الثواني والدقائق التي لم يستطع فيها أن يخفي الخبر عن "الأم". هذه البلادة وهذا العبث بمشاعر الأهل والآباء ليسا جريمة أخلاقية فحسب، بل شرعية وقانونية.

أشعر بالألم الشديد لخراج هذا السقوط الأخلاقي عندما أدرك أن "أماً" مكلومة ستعود إلى "جوالها" بعيد انقضاء العزاء ثم تشاهد فيه مئات الصور لكل الذكريات مع الوجه الغائب. أشعر بالحزن والألم الشديدين حين أعلم أن كل أخ وأخت لفقيد سيعود إلى هذه المواقع الإلكترونية ذات يوم وهو يحمل في جيبه ألبوماً هائلاً لوجه الغالي الفائت الغائب. اتقوا الله ثم اعلموا أن لكل "جمرة" قدماً واطئة عليها، وقد تكون هذه القدم في أي من فجاج الله الواسعة ولها كل ظروفها التي لا تعلمون وأنتم تتناقلون مآسيها بمجرد ضغطة إلكترون.. هذه هي قمة الهزيمة.