هذا هو عنوان كتاب الأمير خالد الفيصل، الذي يقول عنه إنه ليس سيرة ذاتية وإنما هو "تجربة إنسانية.. إدارية تنموية" عاشها سبع سنوات أميراً لمنطقة مكة المكرمة، وعنوان الكتاب شديد الدقة فلم يتم انتقاؤه عشوائياً، فهو يمثل عمق استراتيجية التنمية التي رسمها خالد الفيصل لمنطقة مكة المكرمة، وهو اختير بعناية فائقة، حيث يختصر كل المحتوى الذي بلغ 312 صفحة.. فالجزء الأول من العنوان يمثل السياسة التي تقوم عليها جميع مشروعات مكة المكرمة، والجزء الثاني يمثل المرتكز الأساس الذي تتكئ عليها التنمية بعد الله، والهدف الذي تريد الوصول له، حيث تتمثل تلك السياسة في "ضرورة" أن يكون أي مشروع في مكة المكرمة منطلقاً من الكعبة ويهدف إلى خدمتها، بمعنى أن المشروعات لا بد أن تكون الكعبة المشرفة محوراً أساسياً فيها، تخدم وتسهل كل أعمال الحج والعمرة للحاجين والمعتمرين، لأن الأمير خالد كما هو واضح في تجربته التنموية يرى أن كل منطقة مكة المكرمة قامت ونشأت حول الكعبة.

ولهذا لا بد أن تكون المحور الأساس الذي تنطلق منه كل مناحي التنمية، ونستطيع أن نقرأ من الجزء الأول من العنوان أنه عندما تكون الكعبة هي المحور للمشروعات فإن ذلك يكشف الاهتمام البالغ بالبيت العتيق، الذي تتشرف بلادنا أن يكون في أراضيها ومن خلال هذا الاهتمام أيضا بتسهيل أعمال الحج والعمرة، فالطرق السريعة والأنفاق والتوسعات والقطارات والمطارات إلى آخر منظومة المشروعات في مكة المكرمة، لا بد أن تأخذ من الكعبة محوراً لها وتكون قنوات تصب في خدمتها.

وتتطلب هذه السياسة الوصول إلى هدفي التنمية الرئيسيين: الإنسان والمكان، وذلك على ضوء الانطلاقة الأساسية الذي يمثلها الجزء الأول من العنوان، المشروعات تكون واقعاً نستطيع أن نراه في المكان وله منطلق أساسي والنجاح في كل ذلك لا بد أن يكون ببناء الإنسان، فلا يمكن أن نتبنى سياسة ولا يمكن أن نقيم مشروعاً ناجحاً دون أن نبني العقل، الذي تستمر معه السياسة ويستمر نجاح تطبيقها ونجاح المشروعات وتحقيق أهدافها، فجاء العنوان مرتكزاً على ثلاث قوائم ومرتكزات أساسية شكلت وضوح الرؤية وسمو الأهداف ومعالم الطريق، تلك المقومات التي تكفل بعد توفيق الله نجاح التنمية الذي رسمته الاستراتيجية.

والحديث عن العنوان يطول للعمق الذي يمثله والعناصر التي يحتوي عليها، فهو شفرة يتطلب تفكيكها حديثاً طويلاً لا يتسع له مقال كهذا، إلى جانب وجود جوانب عديدة في الكتاب لا بد من الحديث عنها..

افتتح الأمير خالد الكتاب بمقدمة مؤثرة جداً صيغت بلغة بالغة البلاغة تميزت بوصف دقيق ومؤثر أيضا لمعالم أبها في طريقه من سكن أمير المنطقة في أبها إلى مطار أبها، وهو يغادرها إلى جدة ليبدأ عمله كأميرٍ لمنطقة مكة المكرمة، ووصف مشاعره ومشاعر مودعيه وتأثره البالغ عند إقلاع الطائرة بعد رحلة 37 عاما قضاها في ربوع المنطقة، ثم لوصفٍ أدبيٍّ آخر عند وصوله لمطار جدة ومشاعره ومشاعر مستقبليه وتضمن الوصفان قراءة دقيقة للعيون والوجوه الملكة التي عُرِفَ الأمير بتميزه بها..

شرح الأمير خالد في مقدمة الكتاب أيضاً ما قرأه وسمعه عن مدى التحدي الذي سيواجهه والمشكلات التي عبر عنها البعض بأنها مستعصية وعن ما يريده الأهالي، في متن الكتاب تحدث الأمير خالد الفيصل عن قصص التنمية والأحداث والصعوبات والمعوقات والإخفاقات والنجاحات التي شكلت التجربة الإنسانية والإدارية والتنموية التي يتحدث عنها.

ونحن لا نجامل الأمير خالد الفيصل عندما نقول عنه شيئاً يعرفه جميع الناس، فهو رجل يعشق التحدي والنجاح ومعروف بالحزم وليست له مصالح من أي نوع لا في عسير على امتداد 37 عاما ولا في مكة المكرمة على امتداد السنوات السبع التي قضاها أميرا لها.. وتحدث الأمير في الكتاب عن كل مدينة من مدن منطقة مكة المكرمة على حدة في ضوء الرؤية والاستراتيجية والمخطط الإقليمي والخطة العشرية..

ولو أردنا فقط ذكر قائمة المشروعات للمنطقة عموماً ولكل مدينة لما اتسع لها المقال، لكن أبرز المشروعات في المنطقة بشكل عام الاهتمام بالشباب الذي يشكل العمود الفقري للإنسان والبرامج النوعية التي تكفل لهم مواطنة حقة تعرف واجباتها وحقوقها وتسهم بفاعلية في تنمية وطنهم..

في مكة المكرمة نذكر على سبيل المثال لا الحصر التوسعة الثالثة للحرم المكي ومشروعات الطرق والأنفاق والمخططات العمرانية، وفي جدة أحداث سيول جدة التي كانت منطلقاً لمشروعات عملاقة فيها.. ومن قبيل الموضوعية نشيد بالطريقة التي تم التعامل فيها في هذه الأحداث إذا تجاوزنا الحديث عن أسبابها ومن المسؤول عنها.. ففي خلال مدة وجيزة تم بناء قنوات للسيول المنقولة إلى البحر وتم بناء سدود لوقف تدفقها، كل ذلك بإجراءات تجاوزت البيروقراطية وسرعة اعتماد الميزانيات وسرعة التنفيذ.. وعن القصص الأخرى للمشروعات كانت هناك معاناة من مشكلات محددة تمثلت في نقص المياه وبحيرة المسك والنفايات في المنطقة والاختناقات المرورية والمطار والإستاد الرياضي والكهرباء..

نستطيع القول إن كل تلك المشكلات لا وجود لها بتدفق المياه إلى كل المدن والمحافظات وبما نراه أمامنا من وجود الحلول لكل تلك المشكلات، التي كانت مستعصية وللمشروعات الكبيرة الماثلة للعيان كمطار الملك عبدالعزيز الجديد والإستاد الرياضي.. وقد حظيت الطائف وباقي محافظات المنطقة بمشروعات الإنسان والمكان من حيث التعليم والبرامج العلمية والثقافية والخدمات الأساسية.. فهناك في الطائف مشروع نوعي هو واحة الطبيعة وواحة التقنية الذي يتماشى مع العصر الرقمي، ودفع الأمير خالد هذا المشروع بقوة بأن منحهم مكتبا في إمارة المنطقة وملايين الأمتار التي احتاجوها لإقامة المشروع وإنجاحه.. وكان أبرز ما يلفت نظر الأمير خالد في كل مدن المنطقة ومحافظاتها المنطق الذي يصبغ حوارات الشباب ومناقشاتهم ومطالباتهم.

وفي المنطقة تحدث الكتاب عن تنظيم التطوع الذي يعدّ من أهم برامج الشباب لما ينطوي عليه من تربية ومساهمة وتحمل مسؤولية..

كما بدأ الكتاب بعنوان يحتاج شرحه كتاباً خاصاً، وانتهى الكتاب بلوحة بريشة الأمير خالد عن بناء الإنسان والعوائق.. وهي تحتاج أيضاً إلى كتاب لشرحها ولا مبالغة في ذلك..