"غربة الكاتب العربي".. هو عنوان كتابٍ يستحق أن يُقرأ بإمعان اليوم، وتأمل مفارقات كثيرة، لصاحبه حليم بركات. صدرت طبعته الأولى عن دار الساقي في عام 2011 وتناول فيه عدداً من المفكرين والأدباء والفنانين، وتعدد غرباتهم، وما يلتقي فيها من حيث الفكرة والمرارة والموقف، وما يختلف من حيث اختلاف تجاربهم. تحدث عن أدونيس ومهياره، ثم عن هشام شرابي وجمره ورماده. عن جبرا إبراهيم جبرا وأوهامه، عن عبدالرحمن منيف ومنفاه، عن نسيجه الإنساني والإبداعي. عن إدوارد سعيد وخلخلته الثمينة في الثقافة الغربية حول العرب والإسلام والشرق الأوسط. عن الطيب صالح وغموضه الخلاّق وموسم الهجرة للشمال، عن جبران خليل جبران، وسعدالله ونوّس، ومروان قصّاب. ثم قدم عدداً من الفصول المهمة، مثل الكاتب العربي والسلطة، العقلانية والمخيلة في الثقافة العربية، التغيير التجاوزي أو التحول من حالة الانفعال إلى حالة الفعل بالتاريخ، ثم ختم قِسم الكتاب الأخير بعدة موضوعات، تحت عنوان رئيس؛ مدلولات الصراع والتعدد ضمن الهوية الثقافية.
أحد أكثر الأشياء التي يحملك على مراجعة فهمها هذا الكتاب، البسيط العميق، هو لمسه لواقع الغربة الأساس، أي غربة الكاتب العربي في بلدانه في الأصل، ووقوعه بين استخدام الآيدولوجيا كأداة سيطرة من جهة، واستعمال الجماعات المعارضة لها كأداة للتحريض والمطالب من جهة أخرى، وكلاهما يهدمان الثقافة النقدية الحقيقية، التي هي أساس لتغذية أي كيانٍ صلب. ومثّل لمأساة الكاتب العربي المستقل، والتواطؤ على استهدافه بالتقاء ممارسات الطرفين عبر هاتين الأداتين: أداة السيطرة وأداة التحريض، بما واجهه على سبيل المثال: شملان العيسى، أحمد البغدادي، ليلى العثمان، عالية شعيب، موسى الحوامدة، نصر حامد أبوزيد، محمد عبدالولي.. إلخ.
كتب حليم بركات: "وفي بلدٍ، يُفترض أنه معقل الحريات العربية، أي لبنان، جرت ملاحقات قانونية.. وكثرت الرقابة على الكتب والأفلام والمعارض الفنية والمسرح والبريد، فخصص الملحق الثقافي الصادر عن دار النهار في 31 تشرين الثاني/نوفمبر 1991 ملفاً عن الرقابة، ومصادرة الحريات الثقافية. واتسعت دائرة الاعتداءات في مصر، التي تجاهد لترسيخ بعض قواعد الديمقراطية، فلم نعد نميّز ما يصدر عن الأجهزة الرسمية وغير الرسمية، وبطش كل منهما لا يقل سوءاً عن الآخر. إن دوائر الرقابة والتحريم والتكفير لا تنفصل بعضها عن بعض، بل تتلاقى وتتداخل وتتكامل، والضحية هو الإنسان والإبداع والتقدّم".