أسافر كثيراً عن طريق البر في المملكة وخارجها، أحياناً باختياري وأخرى مضطراً. فمع أن السيارة لا تنافس الطائرة في السرعة، ولا القطار في الراحة، إلا أنها في كثير من الأحيان هي الخيار الوحيد المتاح، خاصة في بلادنا، حيث خيارات السفر بالقطار والطائرة محدودة لكثير من وجهات السفر، وبالطبع للسيارة مزايا تنفرد بها مثل مرونة أوقات السفر والقدرة على الاستكشاف والتوقف.
ولكن السيارات هي أكثر وسائل المواصلات خطورة؛ فحسب الأرقام الأميركية، قُتل في أميركا العام الماضي نحو (33,000) شخص في حوادث السيارات، التي بلغ عددها (250) مليون سيارة. بالمقابل، تسببت حوادث الطائرات في مقتل عشرين فقط خلال العام، من أصل (630) مليون مسافر، وأدت حوادث القطارات إلى مقتل أربعة أشخاص، من أصل (500) مليون مسافر.
وبسبب كثرتها، إذ يقضي في حوادث السيارات في أنحاء العالم نحو مليون وربع المليون سنوياً، لم يعد الأمر يثير اهتمامنا ما لم يتعلق الحادث بقريب أو صديق، أو ينتج عنه عدد كبير من الوفيات.
وفي المملكة، وعلى الرغم من التدابير المختلفة التي استُخدمت، تحولت حوادث السيارات القاتلة إلى ظاهرة مزمنة تتفاقم سنوياً، إذ يتجاوز عدد قتلى حوادث السيارات في المملكة (7) آلاف شخص سنوياً، وعدد الجرحى (70) ألفاً، وبعبارة أخرى، يموت على طرقنا نحو عشرين شخصاً يومياً ويُصاب مئتان، بحيث أصبح نحو ثُلث أسرة المستشفيات مشغولاً بمصابي تلك الحوادث. ولعلك تتخيل فداحة المشكلة حين تعلم أن السيارات قتلت نحو (100) ألف شخص في المملكة على مدى (22) عاماً.
مؤخراً، وصف أحد المسؤولين هذه الظاهرة بأنها ضرب من "إرهاب الشوارع"، ولكن بالنظر إلى حجم الوفيات والإصابات فإنها أشبه بحرب نظامية، فعدد ضحاياها يفوق ضحايا كثير من الحروب. أم هي انتحار جماعي؟
هذه الأرواح التي تحصدها السيارات كل يوم تتطلب حلاً. ومن السهل لَوم السائقين، خاصة إن كانوا موتى، أو اختزال المشكلة في السرعة أو غيرها، ولكن الأمر أكثر تعقيداً، خاصة أن معدلات الوفيات في تلك الحوادث في تصاعد مستمر، مما يشير إلى عدم نجاح الحلول التي حاولناها في السابق للحد من هذا النزيف.
ومع أن المملكة ليست على رأس القائمة عالمياً في عدد الحوادث أو الوفيات الناجمة عنها، إلا أنها قريبة من ذلك. ففي تصنيف أصدرته منظمة الصحة العالمية، كانت المملكة من ضمن الدول العشرين الأولى في معدلات وفيات تلك الحوادث، ولكن الدول الأخرى التي فاقت المملكة فقيرة أو غير قادرة على اتخاذ إجراءات حازمة للحد من المشكلة، إذ إن الحلول الناجحة مُكلفة وصعبة.
ولكننا على رأس القائمة بين الدول الغنية. فبمقارنة المملكة بالدول عالية الدخل نجد أولاً أن معدلات وفيات حوادث السيارات لدينا أعلى بكثير من تلك الدول. فبنسبة عدد الوفيات إلى حجم السكان، يبلغ معدل الوفيات في المملكة نحو (250) لكل مليون من السكان، وهو ما يعادل ستة أضعاف معدل اليابان، وخمسة أضعاف معدل ألمانيا، وثمانية أضعاف معدل بريطانيا.
وقد يقول البعض إن المملكة قارة مترامية الأطراف، يتطلب السفر فيها قطع مسافات شاسعة، فلا يمكن مقارنتها بدول أصغر حجماً، ولأخذ ذلك بعين الاعتبار، فلننظر إلى دول مثل أستراليا، وكندا، ومساحتهما أضعاف مساحة المملكة، ومع ذلك نجد أن معدل وفيات حوادث الطرق لدينا خمسة أضعاف معدل أستراليا، وأربعة أضعاف معدل كندا.
وثانياً، نجد أن معدل وفيات حوادث الطرق في ازدياد لدينا، ولكنه في انخفاض مستمر في الدول الأخرى. ففي بريطانيا، انخفض عدد قتلى حوادث السيارات من (5500) في عام 1985 إلى (1750) في 2012. وفي أستراليا، انخفض عددهم من نحو (3) آلاف في 1985 إلى أقل من (1,200) في 2013.
ولم يأتِ انخفاض وفيات حوادث السيارات مصادفة، بل كان نتيجة جهود حثيثة خُصّصت لتحقيق ذلك، عالجت الموضوع من أربع زوايا: السائق، السيارة، الطريق، والإسعاف. ووضعت لكل منها حلولاً إلى أن تمكنت من تخفيض معدلات الوفيات إلى النصف أو الربع خلال العقود الثلاثة الماضية.
وبالطبع كانت لدينا محاولات جادة لمعالجة الموضوع، ولكنها لم تنجح، فعدد الضحايا ما زال في ازدياد.
ولنأخذ أحزمة الأمان، التي يعدها الخبراء ركناً أساسياً في تخفيض عدد الوفيات، حيث كان عدم الالتزام بها سبباً في نحو (17) بالمئة من الوفيات في بريطانيا مثلاً. فعلى الرغم من صدور قرار في المملكة عام 2000 بفرض استخدام الحزام، ما زال الالتزام به محدوداً للسائق والراكب الأمامي، وشبه معدوم للمقاعد الخلفية، بما في ذلك الأطفال والرضع. أما الوسائد الهوائية، فلا تتوافر في جميع السيارات، خاصة في المقاعد الخلفية.
وبالمثل صدر قرار بعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة، لكن الالتزام شبه معدوم، خاصة أن معظم السيارات لا تتوافر فيها إمكانات هاتف السيارة.
وثمة تركيز على السرعة كسبب رئيس للوفاة في الحوادث، وهي في الحقيقة كذلك، حيث تُظهر الأبحاث في بعض الدول أنها مسؤولة عن الوفاة في أكثر من (25) بالمئة من الحالات. ولكننا لم نولِ العوامل الأخرى المتعلقة بالسائق الاهتمام الكافي، كانعدام الخبرة والتدريب، والتهور، والتجاوز الخاطئ، وعدم استخدام الإشارات، والجهل بتعليمات وتحذيرات المرور، وعدم معرفة اللغة العربية التي تُكتب بها معظم التعليمات.
أما السيارات التي نسمح باستخدامها على طرقنا، فالكثير منها لا تتوافر فيه اشتراطات السلامة. فالأنوار الأمامية والخلفية كثيراً ما تكون غير كافية لإنارة الطريق أو تحذير السائقين الآخرين، أما المكابح والإطارات فيتم الفحص عليها كل ثلاث سنوات خلال الفحص الدوري فقط. بل وجد بعض السائقين طريقة للاحتيال على الفحص عن طريق استئجار إطارات لفترة محدودة لاجتياز الفحص فقط.
وسأتحدث في مقال لاحق عن عاملين آخرين لهما تأثير كبير على معدلات الوفاة في حوادث السيارات: مستوى الطرق وصيانتها، ومستوى العناية الطبية وسرعة وصولها لمكان الحادث.