تشعر بأن الدم يغلي في عروقك، تريد أن تنتقم، تعاقب، أو تهاجم بكلمات جارحة ومؤلمة، تريد لمن جعلك تشعر بكل هذه المشاعر أن يدفع الثمن.. أي ثمن فأنت في حالة لا تستطيع فيها التفكير أو الحكم الصحيح، فترد.. تجرح.. تؤذي و... تندم وقد تشعر بالخوف مما تسببت به بعد أن تعديت وقطعت كل خطوط الرجعة... هل حدث معك هذا؟ لقد حدث معي لمرات ومرات.. أكثر مما أتمنى أن يكون جزءا من تاريخي، ولكنه حدث.. تعلمت ولم أتعلم، لأني ما زلت أحيانا أفقد أعصابي وأسارع في الرد دون أي تفكير أو دراسة، وكم من مرة سمحت للمستفز أن ينتصر عليّ بأن يجعلني أذهب بمشاعري حيث يردني أن أذهب!

كل منا في الحياة لا بد وأن صادف شخصيات مستفزة، فالاستفزاز أداة يستخدمها الشخص الذي عادة ما يعاني من مشاكل نفسية أو شعور بالنقص، حينها يطلق مهاراته ويتلذذ بالانتصار الموقت على ضحيته، هذا في حال كانت الضحية ممن يسارعون إلى ردة الفعل قبل التفكير، ونحن نعرف بأن الغضب يعمي ويشل التفكير، وحينها بدلا من إيقاف المستفز عند حده ندخل في نقاشات بيزنطية أو أسوأ من ذلك قد يتعدى الأمر إلى حرب كلامية أو عراك جسدي قد يؤدي إلى إصابات أو يتسبب في عاهات!

السؤال هنا هل نترك الأمر إلى أن يصل إلى هذا الحد، لا سمح الله، أم نحاول أن نتحكم بمشاعرنا وأعصابنا وندرس الحالة التي أمامنا بكل تأنٍّ ووعي تام بالنتائج المترتبة على ردة فعلنا؟

الاستفزاز لا يكون دائما سلبيا، فقد يستخدم من الأم أو الأب لتحث ابنها على التقدم أو القيام بعمل يعتقد بأنه غير قادر عليه، وقد يستخدمه المعلم من خلال طرح أسئلة تحرك العقول بالفصل للبحث والدراسة في موضوع مثير للجدل اجتماعيا أو علميا، وقد يكون من شخصية قريبة تعرف أيا من المفاتيح تحرك في شخصية من تريده أن يواجه تحديا أو ضعفا ما لكي يتغلب عليه، المقصود هنا استثارة العقل والإرادة للتقدم إلى الأمام وليس الانفجار والهجوم.

ولكن قضيتنا هنا هي تلك الشخصيات التي تدفعك أحيانا للخروج عن طبيعتك، وقد تساورك مشاعر الانتقام والتحطيم بحيث تخرج منك سلوكيات أو كلمات تندم عليها فيما بعد، نعم ندرك أنه من طبيعة الإنسان أن يسارع إلى الرد في حالة الاستفزاز، وقلة هم من يستطيعون السيطرة على أعصابهم، ولكن ندرك أيضا أننا حين نقوم بذلك، نخسر قدرتنا على التفكير المنطقي، فتتم المواجهة دون دراسة وتفكير بالنتائج، لذلك فمن الأفضل تأخير ردة الفعل بالاعتماد أولا على قوة الإرادة للتمكن من التحكم بالموقف باستعادة الهدوء والسيطرة على الأعصاب بحيث نستطيع الاستجابة بشكل صحيح، فليس ما حدث الذي سيؤثر عليك بقدر تأثير ردة الفعل عليك فيما بعد، أي أن توترك وعصبيتك في المواجهة هي ما سيزعجك أكثر من فعل الاستفزاز نفسه، ولهذا يشدد المختصون على أن نمارس ضبط الأعصاب ونفكر بإيجابيات وسلبيات كل ما سنقوله أو نفعله قبل التحرك، لأنه من الأفضل أن نعمل على إطفاء شرارة الغضب قبل أن تستعر وتحرق من أمامنا وتحرقنا، كيف نستطيع أن نقوم بذلك؟

أن ندرك بأننا سنتعرض دائما إلى مثل هذه الحالات، في المنزل، في السوق، في المشفى، في الطريق، في العمل، على صفحات التواصل الاجتماعي.. من تعليقات أو حتى "الهاشتاق" التي يضعها المستفزون، ويقع ضحيتها الكثير.. بل حتى ونحن نقرأ عناوين الأخبار، التي أصبح جلها - للأسف - مستفزا لدرجة الغليان.. المهم هنا أن كل ذلك جزء من الحياة حولنا.. بعضه نستطيع أن نتجاهله، بل نستطيع أن نضع أو نتخيل الأعذار، هذا يومه كان شاقا، هذه تعاني من ضغوط أسرية، وهؤلاء قد فرغوا من عمل إنساني تطوعي... لا أدري ولكن خيالنا واسع وقد تكون الحقيقة ليست ببعيدة عما تخيلنا.. المهم نضع الأعذار فنرتاح، وإن لم نجد.. نتجاهل خاصة إن كان تدخلنا لن يقدم أو يؤخر أي مجرد حرق أعصاب من جهتنا.

أن ندرك أيضاً بأن الشخصيات المستفزة، عادة ما تكون ليست على استعداد بأن تصغي أو حتى لديها أي درجة من الاهتمام لما لديك من حجج أو براهين أو تبريرات، فهم يقفون في موقف التحدي والرد بالرفض والاعتراض لكل ما تقدمه، كل ما يهمهم من مشاعرك هو إخراج أسوأ ما عندك أو جرك إلى أن تغلط عليهم أو على غيرهم أو حتى على نفسك، هؤلاء من يجعلون حياتك صعبة ومؤلمة خاصة إن كانوا شركاء في محيط العمل، إنهم من تتمنى أن تتخلص من إزعاجهم ولا تستطيع بما أن وجودهم فرض عليك، وعليه.. لترتاح محتما عليك أن تجد طرقا للتعامل معهم بطريقة تمنعهم من التأثير في مسيرة حياتك، قد يكون الحل أن تبذل قصارى جهدك في التقليل من معدل الاحتكاك بهم، ولكنه ليس دائما متاحا أو سهلاً، عندها جرب أن تدرس وتحلل الوضع، بل قد يكون من الأفضل أن تضع نفسك في مكانهم وتبحث عن الحاجة التي تجعلهم يقومون بمثل هذه السلوكيات السلبية نحوك، قد تكون غيرة، أو شعورا بالنقص، أو مشاكل شخصية تجعلهم يهاجمون الكل وليس أنت وحدك، إن استطعت أن تصل لجذر المشكلة قد تستطيع أن تساعد وبهذا تسهم في حل المشكلة بدلا من أن تكون الهدف أو تجر إلى أن تكون ضلعا فيها.

وتذكر أنك مهم، لنفسك ولأسرتك، والبحث عن راحتك حق من حقوقك لتستطيع أن تعمل وتنتج، فلا تسمح لأحد أن يؤثر سلبيا عليك ويدفعك لتتصرف خارج إيطار سماتك الشخصية، كن أنت القائد وأنت المتحكم.