على الرغم من أهمية رقابة ديوان المراقبة العامة على المال العام، إلا أنه يمكن القول بأن هناك ازدواجاً بين أعمال الديوان ووزارة المالية في مجال الرقابة المالية على الجهات الحكومية.
وهذا الازدواج ليس مصدره الأنظمة والتشريعات، بل على العكس من ذلك، حيث نجد فصلا واضحا بين اختصاصات الديوان والوزارة في مجال الرقابة المالية، ولكن على أرض الواقع نرى بالفعل وجود هذه الازدواجية.
فحسب اختصاصات وزارة المالية، فإنها مسؤولة عن الرقابة المسبقة على ميزانيات وحسابات أجهزة الدولة من خلال إدارة متخصصة تسمى "الإدارة العامة للرقابة المالية"، وبواسطة مراقبين ماليين يعملون في الميدان، من مهامهم مراقبة المصروفات بمجالاتها المحددة في أبواب الميزانية العامة للدولة، والمتمثلة في "نفقات الرواتب والبدلات والأجور، والنفقات التشغيلية، ونفقات برامج التشغيل والنظافة والصيانة، ونفقات المشاريع".
هذا بالإضافة إلى وجود قسم متابعة العقود الحكومية وهو أحد الأقسام الرئيسية للإدارة العامة للرقابة المالية بالوزارة، حيث يقوم باستقبال نسخ العقود الحكومية طويلة المدى، ويتولى فحصها بالتنسيق مع الإدارة القانونية والإدارة العامة للميزانية في الوزارة للتثبت من سلامتها من حيث: النواحي القانونية، وتوفر الاعتمادات، وملاءمة التكلفة وسلامة الإجراءات التي سبقت مرحلة التعاقد.
أما ديوان المراقبة العامة فتتمثل مهمته في الرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة ومصروفاتها، وكذلك مراقبة كافة أموال الدولة المنقولة والثابتة ومراقبة حسن استعمال هذه الأموال واستغلالها والمحافظة عليها.
فلو أخذنا على سبيل المثال مهام المراقب المالي التابع لوزارة المالية، والتي منها ما يلي:
• فحص بواقي العهد والأمانات بصفة دورية كل ثلاثة أشهر، للتأكد من عدم بقاء مبالغ بهذين الحسابين دون مبرر، وموافاة وزارة المالية بنتيجة الفحص.
• مراقبة قيام موظفي المستودعات بمسك دفاتر المستودعات والتأكد من انتظام القيود فيها، وأن سجلات العهد الشخصية ممسوكة فعلياً لقيد جميع الأصناف المستديمة فيها، مع مراقبة التصرف في موجودات المستودعات.
فإذا كانت وزارة المالية تفحص بواقي العهد والأمانات، فكيف نفسر ملاحظات ديوان المراقبة العامة المتمثلة في استمرار تضخم أرصدة العهد، ونمو أرصدة حسابات الأمانات؟، وكيف نفسر أيضاً اختصاص وزارة المالية في فحص الدفاتر والسجلات الخاصة بالمستودعات الحكومية، بينما ورد في دليل "مهام مراجعة الحسابات والمستودعات الحكومية" الصادر عن ديوان المراقبة العامة نفس المهام تقريباً؟ وهذا ما ينطبق أيضاً على مراجعة العقود الحكومية، أليست هذه ازدواجية في المهام والاختصاصات بين الديوان والوزارة؟، ناهيك عن أن وزارة المالية تراقب ديوان المراقبة رقابة سابقة، والديوان يراقب الوزارة رقابة لاحقة!.
حاول بعض المختصين تفسير هذه الازدواجية بالقول بأن وزارة المالية "تضطلع بشكل رئيس على عملية إنشاء تلك الحقوق (الحقوق المالية) في الذمة المالية للدولة"، فإذا كانت مهمة ديوان المراقبة تتمثل في "تدقيق مستندات المصروفات، ومراجعة العقود من ناحية مدى مراعاتها للأنظمة والتعليمات المرعية في هذا الشأن بعد الارتباط على النفقات، وبعد أن تكون الحقوق قد دخلت في ذمة الدولة، وأصبحت واجبة الدفع عليها.(مع العلم أن وزارة المالية تقوم أيضاً بمراجعة عقود المشاريع والبرامج قبل توقيعها من قبل طرفيها). وذلك يعني أن دور الديوان ينحصر في مخاطبة الجهات الحكومية لاستكمال بعض مستندات المعاملات أو المنافسات، أو طلب تسديد بعض المبالغ غير المستحقة التي ارتبط عليها سابقا".
وهذا يعني أن العبء الأكبر في مراجعة الحسابات الحكومية يقع على عاتق وزارة المالية، وبالتالي فإن رقابة ديوان المراقبة تقتصر على النواحي الشكلية للحسابات ولا يمتد هذا الدور إلى مراجعة الموازنات أو التحقق من فعالية وجدوى النفقات العامة ومدى تحقيق تلك النفقات لأهدافها!.
ولو أخذنا بالرأي السابق، فإن ذلك يتعارض مع اختصاصات الديوان الواردة في نظامه، والتي منها "التحقق من أن أموال الدولة كافة المنقولة والثابتة تستعمل في الأغراض التي خصصت من أجلها من قبل الجهة المختصة"، وبالتالي يكون مصدر الازدواجية هو نظام الديوان وهذا الأمر غير صحيح، حيث إن هناك فصلا واضحا للاختصاصات - كما ذكرت آنفاً -.
أما رأي البعض الآخر فكان أكثر مثالية من الرأي السابق، حيث يعد العلاقة بين الديوان والوزارة هي علاقة قوية تنصب في اتجاهين: الأول يتمثل في علاقة التعاون والمشاركة التي تتمثل في قيام الديوان بإحاطة الوزارة بالتجاوزات والمخالفات المالية والعكس صحيح، والثاني وحدة الهدف، حيث إن الهدف الرئيس لكل من المالية والمراقبة هو حماية المال العام.
ولكن هذه الازدواجية تؤدي إلى ضعف الرقابة المالية، حيث إن المشكلة الحقيقية تتمثل في سوء فهم الرقابة المسبقة والرقابة اللاحقة، حيث إن الأولى دورها وقائي وقبل أن يترتب أي التزام على الدولة أو غيرها من الأشخاص المعنوية العامة، وبالتالي فإنها تحكم على التصرفات المالية قبل التطبيق.
أما الرقابة اللاحقة فهي تحكم على التصرفات المالية بعد تطبيقها وهي الرقابة التي يمارسها ديوان المراقبة على الجهات المشمولة برقابته بعد إكمال التصرفات المالية وصرف الأموال المقررة في الموازنة وتهدف هذه الرقابة إلى التحقق من حسن استخدام الأموال وأنه تم استغلالها بالشكل الأمثل.
إن الازدواجية في المهام والأدوار ليست قاصرة فقط على وزارة المالية وديوان المراقبة بل تشمل جهات رقابية أخرى مثل هيئة الرقابة والتحقيق ووزارة التخطيط ووزارة الخدمة المدنية وكذلك الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بل وحتى داخل الجهات الحكومية نفسها والمتمثلة في إدارة المتابعة والمراجعة الداخلية، وذلك بسبب عدم فهم الاختصاصات والأدوار بالرغم من أن الأنظمة والتشريعات فصلت بينها.
ولتفعيل الرقابة المالية فإن الأمر يحتاج إلى تفعيل المعايير المهنية للرقابة وتطبيقها على أرض الواقع، فإذا فهمنا لماذا نحتاج إلى هذه المعايير عرفنا الهدف الحقيقي للرقابة الحكومية، والتحدي الحقيقي يتمثل في كيفية التطبيق؟ فهناك من يقاوم التطوير ويخشى التغيير!.