"حالية اللبن"، هي المجموعة القصصية الأولى لكفى عسيري، ولأنها كذلك، فقد كانت مثيرة لفضول متابعي حركة النتاج الإبداعي في منطقة عسير؛ ذلك أن كفى لم تكن حاضرة في المشهد قبل مجموعتها هذه، مما يجعل فرصة النظر في التطور الذي طرأ على طريقتها السردية معدومة، بيد أن المجموعة نفسها تهب القارئ هذه الفرصة؛ إذ تتفاوت نصوصها في المستوى الفني، وتدل بعضها على وجود تطور واضح يشي بتطور وعي القاصة، وانفتاحها على التجارب السردية الحديثة، بعد أن كانت القصة بالنسبة إليها حكاية وحسب، وهي السمة التي غلبت على بعض نصوصها، وغابت غيابا كاملا عن بعضها الآخر.
اعتدنا أن نصف القصة بأنها فن حديث يتميز بالاختزال والتركيز والشاعرية، وأن نصف الحكاية بأنها ما ينقل عن الغير وحسب، وتعلمنا أن القصة القصيرة الحديثة ليست ـ على الدوام ـ انطلاقا فتطورا فتعقُّدا فانفراجا، وإنما قد تكون قائمة على شخصية لها مسارها الحدثي والنفسي والمادي والاجتماعي.
الناظر في مجموعة: "حالية اللبن"، للقاصة كفى عسيري، يلحظ أنها تحتوي على نماذج محققة للقصة بمفهومها الحديث، وبخاصة في تلك القصص المختزلة التي لها ما وراءها من الإيحاءات، من مثل قصص: "المرآة"، و"فستان زفاف"، و"تسلل"، و"لذة"، وغيرها من النصوص الومضية الممتازة، أو نصوص الـ"ق. ق. ج"، التي يأتي فيها المشهد واسعا ذا تأويلات كثيرة، وامتداد زمني أطول من الحيز اللغوي الذي تستغرقه القصة، وهو ما كان عند كفى بامتياز.
في المقابل، هناك قصص تتردد بين فني: القصة، والحكاية، من مثل قصة: "اعتقال حلم"، التي تتكئ على الأسطورة الطفولية، وتتنزل على الواقع، لكنها ليست جديدة في الفكرة ولا في اللغة، ومثلها قصتا: "قلب آثم"، و"اسم تكميلي"، إلا أنها تمتاز بكونها تعتمد على شخصيات ذات مرجعية اجتماعية واقعية، بمعنى أنها تُحيل على فئات أو نماذج من الواقع المحيط بالمبدعة، ومما هو موجود أو ممكن الوجود في بيئتها، على الرغم من غياب عناصر البيئة في بعض هذه القصص باستثناء إشارات عابرة في قصة: "فاطمة"، وأخرى أكثر وضوحا في قصة: حالية اللبن".
في قصص مجموعة: "حالية اللبن" كلها، لا يستطيع القارئ التمييز بين الكاتب والراوي؛ لأن سلطة الكاتبة نفسها تطغى على رؤية الراوي، على الرغم من أنها تسرد بضمير الغائب لا المتكلم، إلا أنها تنتقي الرؤية التي تطيب لها، وتؤديها بالطريقة التي تحبها هي، وتلك سمة عامة في الكثير من النتاج السردي الصادر عن المرأة.
اختارت الكاتبة أن تسرد قصتها الأخيرة بالعامية العسيرية المحلية، وتلك تجربة فريدة لا تخلو من جمال وجرأة، بيد أن الفروق المعروفة بين: الشفاهي، والكتابي، جعلتها تقحم في اللهجة ما لا يقال فيها عند أدائها الشفاهي.
ومهما يكن من أمر، فإن "حالية اللبن"، مجموعة جديرة بالاحتفاء؛ لأنها صادرة عن كاتبة قادرة على التقاط التفاصيل، وعلى تطوير أدواتها لتدخل التاريخ السردي بجدارة.