تذكرت وأنا أشاهد برامج رمضان في القناة التركية العربية TRT كل كلمة وقصة كان يسردها والدي رحمه الله لجيل الأبناء عن تركيا.. عظمة الحضارة العثمانية والانتصارات العسكرية وأدب شعبها. وكثيراً ما كان يستشهد بشعر أحمد شوقي عن بطولاتهم في معركة بحر الدردنيل. فرغم أن القناة جديدة في توجهها باللغة العربية إلا أن ما شاهدته من برامج يدل على أن هناك جذورا من الرقي والحضارة في عمق المجتمع التركي جعلتني أدرك سبب إعجاب جيل الآباء بالحياة التركية التي كانت تمثل لهم مثالاً للرقي كما هو حالنا الذي ننظر به إلى أمريكا اليوم.
مع ظهور اسم تركيا نتيجة وقفتها في أحداث غزة، سمعنا أصواتاً ضئيلة ومستحية تشكك في النوايا التركية وتقول إنها تبحث عن مصلحة ذاتية على حساب المعاناة الفلسطينية! نسي هؤلاء أن عاطفة الشعب التركي وحميتهم الإسلامية هي التي تحركهم. تؤكد ذلك مساعدتهم لباكستان في الفيضانات الأخيرة التي تضاف إلى مساعدات سابقة قدمتها للباكستانيين قبل عامين. لذلك يجب أن ننظر إلى تركيا من خلال توظيف هذه المشاعر التي في الجذور لنبني علاقتنا العربية معها من جديد ونبني معها استراتيجية مصالح جديدة.
إذا كانت بعض المدن العربية تبحث دائماً عن توأمة مع مدن شرقية وأوروبية، فلم لا نجرب الدخول مع تركيا في توأمة وشراكات تعليمية واقتصادية وحضارية لنقل التجربة التركية الثرية التي بنتها منذ عقود. صحيح أن مثل هذه العلاقات تحقق مصالح للطرفين، ولكن الصحيح أيضاً أن العالم العربي في أمس الحاجة لهذه العلاقة. ذلك أن صراعنا مع إسرائيل يعيق نقل أشكال من التكنولوجيا.. ويعيق التسليح والتصنيع. وبالتالي تشكل تركيا لنا جسراً ومورداً تكسوه العلاقات التاريخية بتواصلها الروحي التي من المؤكد أنها تهيئ ولادة استراتيجية جديدة.
يتطلب بناء هذه العلاقة إعلاما جديدا ترويجيا هادفا. ففي العالم العربي، تكاد تختفي صورة تركيا إذ لا يعرف الناس عن صناعتها وجامعاتها وفنونها. ولنا في الانفتاح التركي الجديد مثال على ما يمكن أن يقدمه الإعلام. فمجموع البرامج الدينية والفنية والثقافية التي قدمتها القناة التركية في شهر رمضان، عرّفت المشاهد العربي بالتراث التركي المتأصل وقدمت له صورة لحياة الرقي والتقدم. في الوقت نفسه كشفت أننا والأتراك نشترك في تراث كبير في مجال علم القراءات القرآنية والعلوم والفنون الإسلامية إلى جانب علم المقامات والأصوات فكثير من الأغاني والأناشيد التي نسمعها هي في الأساس تركية.