من مآثر مجتمعاتنا العربية في عصر العولمة أنها تستخدم شبكات التواصل الاجتماعي "الذكية"، مثل "تويتر" و"فيسبوك" و"واتس أب" وغيرها، لنشر آلاف الإشاعات وملايين الخرافات، مما يشجع الجاهل على توطين جهله، ويمنح المضلل فرصة تضليل غيره، وهذا يؤدي حتما إلى إشعال فتيل التشكيك بين أفراد المجتمع، خاصة وأن وتيرة الأمية في عالمنا العربي ارتفعت في العام الماضي إلى 39% لدى الذكور و60% لدى الإناث. هذا في الوقت الذي فاق عدد مستخدمي شبكات الإنترنت "الذكية" بين الشعوب العربية نسبة 37% وتضاعف عدد هواتفهم "الذكية" بنسبة 112%.
في الآونة الأخيرة، انتشرت في معظم وسائل الإعلام والشبكات "الذكية" الكثير من الإشاعات والخرافات عن فيروس "كورونا" وأعراضه وطرق انتقاله وعلاجه وأعداد المصابين به، مما كان له أبلغ الأثر في ترويج أخطاره الخاطئة وتعظيم أضراره المحدودة.
مروجو هذه الإشاعات والخرافات تجاهلوا المواقع الإلكترونية لوزارة الصحة السعودية ومنظمة الصحة العالمية، التي أوضحت بشفافية تامة أعراض الفيروس وطرق الوقاية منه. فالمنظمة عدّته من سلالة فيروسات "سارس"، التي تم اكتشافها في الصين خلال عام 2003 وتسببت في الالتهاب الرئوي الحاد. والوزارة أوضحت أنه منذ اكتشاف فيروس "كورونا" في يونيو من عام 2012 وظهور إصابته الأولى بالمملكة في سبتمبر من العام نفسه، تسبب في وفاة 66 شخصا من أصل 167 إصابة فقط. وهذا ما أكده تقرير منظمة الصحة العالمية، الصادر خلال الأسبوع الماضي، الذي أعلن على موقعه الإلكتروني: "أن عدد الوفيات الناجمة لتاريخه عن فيروس "كورونا" خلال عامين في جميع أرجاء العالم وصل إلى 80 حالة وفاة من أصل 197 إصابة، توزعت على 10 دول منها 169 حالة في المملكة و9 حالات في قطر و6 في الإمارات و3 في كل من تونس وبريطانيا وحالتان في كل من عمان والأردن وفرنسا والكويت وحالة واحدة في إيطاليا".
كما أسهبت كل من الوزارة والمنظمة في تحديد أعراض فيروس "كورونا"، التي تبدأ كأعراض "الأنفلونزا"، إذ يشعر المريض باحتقان في الحلق، وزيادة وتيرة السعال، وارتفاع درجة الحرارة، وضيق التنفس والصداع. هذه الأعراض تتطور تباعا إلى التهاب حاد في الرئة بسبب تلف الحويصلات الهوائية وتورم أنسجة الرئة، مما يؤدي لاحقا إلى منع تدفق الأكسجين في الدم، مسببا قصورا في وظائف أعضاء الجسم.
الإصابة بفيروس "كورونا" تكتشف عن طريق أعراضه والتحليل الفيروسي المخبري. وكمعظم الفيروسات التي تصيب الجهاز التنفسي، ينتقل فيروس "كورونا" عن طريق تلوث الأيدي والرذاذ والمخالطة المباشرة مع سوائل وإفرازات المريض وجزئيات الهواء الصغيرة، إذ يدخل الفيروس عبر أغشية الأنف والحنجرة. لذا يجب عزل المصاب بغرفة خاصة، وتهويتها جيدا، وغسل اليدين، واستخدام الكمامات في أماكن الزحام، والابتعاد عن الأماكن الرطبة.
ولا يوجد لتاريخ اليوم علاج خاص ضد فيروس "كورونا"، حيث يقوم الجسم بطرد الفيروس بالمناعة الذاتية. كما أن حضانة فيروس "كورونا" تستمر في الغالب مدة 12 يوما، بينما يمكن للفيروس الاحتفاظ بقدرته خارج جسم الإنسان مدة ستة أيام في بيئة رطبة وثلاث ساعات على الأسطح الجافة.
وفي دراسة حديثة تمكن فريق طبي مشترك من وزارة الصحة السعودية مع جامعة كولومبيا الأميركية ومختبرات "إيكو" الصحية الأميركية من عزل فيروس "كورونا" من إحدى عينات الخفافيش بالمملكة. وذكرت الدراسة أن الفحوصات المخبرية، التي تم إجراؤها على عينات تم جمعها من 96 خفاشا حيا تمثل سبع فصائل مختلفة، وأيضا على 732 عينة من مخلفات الخفافيش في المناطق التي سجلت فيها حالات مؤكدة للمرض في السعودية، أكدت أن عينة واحدة من خفاش حي أظهرت وجود تركيبة جينية مطابقة 100% لفيروس "كورونا".
كما أظهرت الدراسة أيضا وجود فيروسات متعددة أخرى من فصيلة كورونا في 28% من العينات التي تم فحصها، كما أظهرت دراسة أخرى أعدها فريق هولندي نُشرت في دورية "لانست" للأمراض المعدية، أن الإبل وحيدة السنام، التي تستخدم في المنطقة من أجل اللحوم والحليب والنقل والسباقات، قد تكون مصدر فيروس "كورونا". وجمع فريق البحث الهولندي 349 عينة دم من مجموعة متنوعة من الماشية بما في ذلك الإبل والأبقار والأغنام والماعز من سلطنة عُمان وهولندا وإسبانيا، فأثبتت الفحوصات وجود أجسام مضادة للفيروس في جميع العينات المأخوذة من الإبل في سلطنة عُمان وعددها 50 عينة، بينما لم يتم العثور على الأجسام المضادة للفيروس في باقي الحيوانات.
ألا يعلم مروجو الإشاعات عن فيروس "كورونا"، الذي أدى إلى وفاة 80 شخصا فقط خلال عامين في جميع أرجاء العالم، أن أخطر الأمراض المعدية التي تعاني منها البشرية هي "الجمرة الخبيثة" و"الملاريا" التي تصيب سنويا نحو 500 مليون شخص، وتتسبب في موت نحو مليون شخص سنويا، وفيروس "سارس" الذي يؤدي إلى وفاة 70% من المصابين به، ومرض "إيبولا" الذي اكتشف منذ 32 عاما، وهو مرض فيروسي يقتل بمعدل 75% من معدلات الإصابة به، وفيروس "الإيدز" وهو المرض المعدي الأكثر انتشارا بين البشر، ويتسبب في تعطيل جهاز المناعة عند الإنسان ليجعله عرضة لأي أمراض في الهواء.
نحن نعيش اليوم في قرية كونية صغيرة، تحدها ثورة الاتصالات وتحكمها طفرة تقنية المعلومات، فمن أحسن استخدامها نجح في توجيه دفة العولمة لصالحه، ومن أساء استخدامها فشل في صد الإشاعات والخرافات عن مجتمعه.