كلما ذكر الناس مدينة عريقة، ذكروا "علامتها الفارقة" التي ليست إلا لها، وكأنّها "العلامة الفارقة"، التي كانت تُكتب في "التابعية"؛ فباريس معروفة ببرج "إيفل"، ولندن مشهورة بساعة "بيج بن"، وموسكو مميزة بـ"الساحة الحمراء"... الخ، وهكذا تكون العلامة الفارقة في أي مدينة مؤكِّدة على هويتها وثقافة أهلها.
في بلادنا، نستطيع أن نصنع لكل مدينة علامتها الفارقة، بيد أنّنا كلما تشكلت هذه العلامة في مدينة، هدمناها إن كانت معلما عمرانياً، أو طمرناها وأخفيناها بـ"كوبري" إن كانت وادياً، أو بنينا فيها إن كانت ساحة، أو جرّفناها وساويناها بالأرض إن كانت جبلا أو هضبة.. وهكذا.. ثم ندعي أننا نعي ونعمل، فنستورد من "العلامات الهزيلة" ما يمكن أن يوجد في أي مدينة في الدنيا، دون أن ندرك أن صناعة الفرق الجاذب لا تكون باستيراد الأشياء، وإنما باستيلادها واستخراجها من أعماق تاريخ الأماكن وثقافتها.
في مدينتي مثلاً، كان واديها، الذي أخذت اسمها من اسمه، وبهاءها من بهائه، وكان متنفس العيون والأرواح، فأصبح جزء منه ـ بليل ـ جسرا طولياً شبيها بـ"الانتقام"، وكان جبل أبو خيال رمز شموخها، فصارت بقيّته صخرة صمّاء، وذهب الجبل الأثير مقابل بضعة مترات تضاف إلى شارع لن يتسع، ولن يقي من ازدحام، فيالها من "مقايضة"، وكانت "قصبتها" شعاراً قديما حديثا في آن، فزالت وآلَ مكانُها إلى أسفلت ذي حفر وتعرجات كوجه المجدور، وصار تقاطعها مسخا مثل أي تقاطع في مدينة لا يزيد عمرها على خمسين عاما، وكانت بها ساحة، فذهب الجزء الأكبر من ساحتها التي حضرت في وجدانات الأهلين وأشعارهم وذكرياتهم، وكانت بها عشرات المجسمات التي يعود تاريخ أحدها إلى أربعين عاماً، فصارت حواجز أسمنتية مزينة باللونين الأصفر والأخضر.
لكل عمل تنموي سلبيات وإيجابيات، بيد أن "التدمير" لأجله، ليس تنمية بالمفهوم الحضاري الواعي للتنمية، وإنما هو "خبط عشواء"، وخلق للتناسخ الذي لا يليق بالمدن العريقة، ولا يتسق وأيسر أبجديات الوعي الإنساني بمعاني "الهوية"، والتفرد، وثقافة الأمكنة.
الخالق – سبحانه – جعل لكلّ بيئة أحياءَها، وطبيعتها، و"هويّتها"، وجعل لكلّ أحياء خصائصَهم وسماتهم الآتية مما يحيط بهم في بيئتهم.
العجيب أن الإنسان يجهل، أو يتجاهل – لسبب أو آخر – هذا الاختلاف الفطري، فيضع مدن الوطن كلها في "عقل" واحد، وما هكذا تكون الأوطان الكبيرة!
قد يقول قائل: دعك من تنظيرك المترف؛ فنحن نريد "كباري" و"أنفاقا"، ولكنكم أيها المثقفون لا تفهمون، وتعارضون التنمية والمشروعات، لأنكم تعيشون خارج الزمن والواقع.
فيرد عليه مواطن يعي خطورة ما يحدث: إن التنمية ليست "كباري" و"أنفاقا" تدمر هوية المكان، وتجتث أحياءه التاريخية، وتزيل ملامح وجهه، وتجعله "مسخا" من غيره، وإنما هي فعل متوازن يأخذ في الاعتبار طبيعة المكان وتاريخه، ويحترم رموزه الجغرافية والثقافية، من: جبال، وأودية، وأشجار، ومجسمات، وصروح تاريخية، ومسميات، وكل العناصر التي ارتبطت بالقلوب والذكريات.
سؤال سألته وأكرره: ألا يطلب الأطباءُ توقيع أحد أقارب المريض بالموافقة قبل أن يفتحوا قلبه؟