من تقاليد المؤتمرات العلمية أن يلقي فيها عدد من المدعوين محاضرة عامة تتسم غالبا بالتركيز على قضايا عامة في مجال اهتمام رواد المؤتمر. إحدى تلك المحاضرات المحاضرة الرئاسية أو المحاضرة التي يلقيها رئيس المنظمة المنتخب من قبل أعضائها. يتوقع في مثل هذه المحاضرة أن يكون الحديث عن قضايا كبيرة تتعلق بالمجال البحثي المشترك لدى أعضاء المنظمة ومستقبله وأكبر العوائق التي تواجهه. في مؤتمر الجمعية الفلسفية الأميركية الذي عقد مؤخرا في شيكاغو، ألقى الكلمة الرئاسية رئيس الجمعية ستيفن نادلر. نادلر هو أستاذ الفلسفة في جامعة ويسكانسون- ماديسون ومتخصص في فلسفة القرن السابع عشر، خصوصا فلسفة ديكارت وسبينوزا. اختار نادلر أن يتحدث عن تاريخ الفلسفة وقيمته الفلسفية. أو بالتحديد أراد أن يجيب على سؤال لماذا ندرّس تاريخ الفلسفة لطلاب الفلسفة في الجامعات.
في إطار هذا العنوان الكبير ناقش نادلر أزمة الهوية عند مؤرخي الفلسفة أو عند الفلاسفة المهتمين بالفلسفة القديمة. أزمة الهوية يمكن وضعها كالتالي: هل المشتغل على الفلسفات القديمة فيلسوف أم لا؟ هل هو مؤرخ أم فيلسوف؟ يبدو أن نادلر هنا يحمل قضية يعاني منها أساتذة تاريخ الفلسفة في أقسام الفلسفة في الجامعات مع زملائهم المشتغلين بقضايا معاصرة. أزمة الهوية هذه تنعكس أيضا على برامج تدريس الفلسفة في الجامعات. إذا لم يكن المشتغل على الفلسفة فيلسوفا فهل الفلسفة القديمة فلسفة أم تاريخ للفلسفة؟ هل من الضروري تدريس تاريخ الفلسفة للفلسفة؟ وبأي معنى يمكن تبرير القبول أو الرفض؟
يبدأ نادلر بالتفريق بين مؤرخ الأفكار ومؤرخ الفلسفة. مؤرخ الأفكار مشغول بتوثيق الأفكار وتحقيقها ومقارنة الروايات المتعلقة بها وربما بترجيح روايات على أخرى. بمعنى آخر مؤرخ الأفكار مشغول بوضع الأفكار في إطارها التاريخي الذي نشأت فيه قدر الإمكان. في المقابل فإن مؤرخ الفلسفة مشغول بمضامين الأفكار الفلسفية القديمة. بمعنى أن مؤرخ الفلسفة هو من يعيد الجدل والأفكار القديمة إلى التأمل الفلسفي من جديد. مؤرخ الفلسفة يتعامل مع أفكار سبينوزا مثلا لا على أنها علامة على حقبة تاريخية معينة، بل على أنها جواب مطروح الآن وهنا على أسئلة لا تزال تشغل الباحثين الآن وهنا. بهذا المعنى يكون تاريخ الفلسفة، فلسفة بالمعنى الدقيق. الفرق بين المشتغل على المنجز العلمي الحديث من الفلاسفة والمشتغل بالمنجز الفلسفي القديم هو فرق في موضوع البحث وليس في منهجيته وأدواته.
على هذه الخلفية يكون تدريس الفلسفة القديمة لطالبات الفلسفة أمرا منطقيا لأننا باختصار أمام أطروحات لا تزال تناقش قضايا جوهرية وأساسية. أيضا نحن أمام نماذج عالية المستوى من التفكير الفلسفي من المهم لدارسي الفلسفة أن يتواصلوا معا ويتعرفوا عليها. بعد ذلك ينتقل نادلر لحديث تفصيلي عن مقترحات طريقة تدريس الفلسفة الحديثة لطالبات وطلاب الفلسفة في ظل أزمة الهوية هذه وضيق المساحة الزمنية المخصصة لهذه الموضوعات. كيف يمكنك كأستاذ أن تساعد طلابك على التواصل مع جون لوك وسبينوزا وديكارت وهيوم وكانت في فصل دراسي واحد أو على الأكثر اثنين. هل تلجأ للعرض المسحي على حساب التواصل المعمق مع كل فيلسوف على حدة؟ أم التعمق مع واحد أو اثنين وإهمال البقية؟ كل التضحيات في هذه الخيارات كبيرة وتعبّر عن أزمة الاهتمام بالفلسفة القديمة في الدراسات الفلسفية المعاصرة.
هذا الجدل يعيدني إلى تجربة شخصية في الفصل الدراسي الماضي حين درست مادة خاصة عن أفلاطون وأرسطو تحت عنوان تاريخ الفلسفة. ما حصل على طول الفصل الدراسي أننا درسنا نصوص أفلاطون وأرسطو كما لو كانا فيلسوفين معاصرين. بمعنى أن الدرس لم يكن معنيا أبدا بوضع تلك المقولات في إطارها التاريخي التي نشأت فيه. موضوع الاهتمام كان آراء أفلاطون وأرسطو في الميتافيزيقا والإبستيمولوجيا. كنا نقوم بفصل تلك المقولات عن سياقها التاريخي ونحللها كمقولات مستقلة معروضة اليوم وهنا.
من النقودات الكبيرة على الفلسفة التحليلية أنها غير تاريخية. أي أنها لا تعير الاهتمام الضروري للدور وأثر السياق التاريخي في تشكيل الطروحات الفلسفية. سيرد الفيلسوف التحليلي هنا أن هذه المهمة هي مهمة مؤرخ الأفكار وليست مهمة الفيلسوف المشتغل بالفلسفة القديمة. ما يهم الفيلسوف، بحسب الفلسفة التحليلية، هو المنطق العقلي الذي من خلاله وصل أفلاطون وأرسطو لأطروحاتهم. بالتأكيد أن كلا منهما كان متأثرا بعوامل تاريخية واجتماعية ونفسية، لكن ما يهم الفيلسوف هو كيف أحال أفلاطون وأرسطو تلك المؤثرات إلى منطق عقلاني مكّنه من الوصول إلى ما وصل إليه. الفيلسوف التحليلي هنا ربما أكثر تواضعا باعتبار أنه لا يزعم تقديم تصور كامل عن "أفلاطون" و"أرسطو"، بقدر ما يزعم تقديم تصور داخلي للمنطق الذي تتحرك داخله أطروحات أفلاطون وأرسطو الفلسفية.
هذه أطروحة محدودة أيضا باعتبار أنها تهمل بشكل واضح النمو التاريخي للمفاهيم والمصطلحات. لدى كل فيلسوف قاموس خاص من الضروري فهمه لفهم أطروحات هذا الفيلسوف. المفاهيم داخل ذلك القاموس تنتمي لتاريخ محدد وشجرة من الجذور والفروع من الصعب فهمها دون فهم التاريخ الذي مرت به. خذ على سبيل المثال مفهوم السياسة عند أرسطو والذي برأيي لا يمكن فهم ماذا يعني به تحديدا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار السياق السياسي اليوناني ونظرتهم للفضاء العام والفضاء الخاص. هذه الأطروحة يمكن تمديدها لتشمل الأطروحات الميتافيزيقة والإبستمولوجية معا والمرتبطة بالضرورة بتصور البشر للكون والمعرفة في ذلك الوقت.
لا تزال إشكالية الفلسفة وتاريخها إذن إشكالية معاصرة تتراوح أطرافها من الإغراق في التاريخ على حساب التفلسف مما يفقد الأفكار معاصرتها أو الإغراق في التفلسف على حساب السياقات التاريخية التي ولّدت في نهاية الأمر تلك الأفكار الفلسفية.